الصفحة 59 من 577

الأمر الآخر: أن القائلين بنجاسة الدماء ليس عندهم حجة , إلا أنه محرم بنص القرآن , فستلزموا من التحريم التنجيس كما فعلوا تماما في الخمر ولا يخفى أنه لا يلزم من التحريم التنجيس , بخلاف العكس , كما بينه الصنعاني في سبل السلام , ثم الشوكاني وغيرهما , ولذلك قال المحقق صديق حسن خان في الروضة الندية بعد أن ذكر حديث أسماء المتقدم وحديث أم قيس الثالث: (فالأمر بغسل دم الحيض , يفيد ثبوت نجاسته , وإن اختلف وجه تطهيره , فذلك لا يخرجه عن كونه نجسا , وأما سائر الدماء , فالأدلة مختلفة مضطربة , والبراءة الأصلية مستصحبة , حتي يأتي الدليل الخالص عن المعارضة الراجحة أو المساوية , ولو قام الدليل علي الرجوع الضمير في قوله تعالي:(فإنه رجس) إلي جميع ما تقدم في الآية الكريمة من: الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير , لكان ذلك مفيدًا لناجسة الدم المسفوح والميتة , ولكن لم يرد ما يفيد ذلك , بل النزاع كائن في رجوعه إلي الكل أو الأقرب , والظاهر الرجوع إلي الأقرب , وهو لحم الخنزير , لإفراد الضمير , ولهذا جزمنا هنا بنجاسة لحم الخنزير دون الدم الذي ليس بدم حيض , ومن رام تحقيق الكلام في الخلاف الواقع في مثل هذا الضمير المذكور في الآية , فليرجع إلي ما ذكره أهل الأصول في الكلام علي القيد الواقع بعد جملة مشتملة علي أمور متعددة).

ولهذا لم يذكر الشوكاني في النجاسات من الدرر البهية الدم علي عمومه , وإنما دم الحيض فقط , وتبعه علي ذلك صديق حسن خان كما رأيت فيما نقلته عنه آنفًا.

وأما تعقب العلامة أحمد شاكر في تعليقه علي الروضة الندية بقوله: (هذا خطأ من المؤلف والشارح , فإن نجاسة دم الحيض ليست لأنه دم حيض , بل لمطلق الدم , والمتتبع للأحاديث يجد أنه كان مفهومًا أن الدم نجس , ولو لم يأت لفظ صريح بذلك , وقد كانوا يعرفون ما هو قذر نجس بالفطرة الطاهرة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت