بعدها انطلق ابن عباس بقلبه الواعي، و ذهنه الصافي، و حافظته الخارقة، سالكا طريق العلم، فلم يضع من طفولته الواعية يوما دون أن يشهد مجالس الرسول الكريم صلّى اللّه عليه و سلّم، و يحفظ أقواله، ما جعله في يوم من الأيام رباني الأمة الإسلامية، و أعلمها بكتاب اللّه، و أفقهها بتأويل آياته، و أقدر المفسرين على النفوذ إلى أغواره، و فهم مراميه و أسراره، مما بوأه بين الصحابة مكانا مرموقا، فكان أكثرهم تفسيرا. و لأن معرفته و حكمته كانتا أسرع نموا من عمره. فقد نال في شبابه الغض حكمة الشيوخ و أناتهم، و عقل الخبراء و حصافتهم مما جعله موضع احترام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، الذي كان حريصا على مشورته في كبير الأمور و عظيمها، و كان يلقبه ب (فتى الكهول) .
الإصابة: 4772. و صفة الصفوة: 1/ 314. و حلية الأولياء: 1/ 314. و تاريخ الخميس: 1/ 167. و الأعلام: 4/ 95).
(1) أخرجه الإمام البخاري في كتاب العلم رقم 75 و 143 و 3546 و 6842. و أخرجه الإمام مسلم في فضائل الصحابة رقم 2477. و أخرجه الترمذي في كتاب المناقب باب 42. و أخرجه ابن ماجة في المقدمة باب 11. و أخرجه ابن سعد في طبقاته الجزء 2 صفحة 119 و 123.
و أخرجه الإمام أحمد في الجزء 1 صفحة 214 و 266 و 269 و 314 و 327 و 328 و 330 و 335 و 359.
غريب القرآن في شعر العرب، ص: 14
يروي ابن عباس فيقول: كان الخليفة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يدخلني مع أشياخ بدر، فكان بعضهم وجد في نفسه فقال: لم يدخل هذا معنا و إن لنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن علمتم. فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول اللّه تعالى إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ «3» ؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد اللّه و نستغفره إذا نصرنا و فتح علينا.