فهرس الكتاب
من المنن التي منَّ الله بها على عباده المؤمنين يوم بدر أنه أنزل عليهم النعاس والمطر، وذلك قبل أن يلتحموا مع أعدائهم, قال تعالى: { إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ } قال القرطبي: (وكان هذا النعاس في الليلة التي كان القتال من غدها, فكان النوم عجيبًا مع ما كان بين أيديهم من الأمر المهم، وكأن الله ربط جأشهم) .
وعن علي - رضي الله عنه - قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد على فرس أبلق، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح.
وفي امتنان الله عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان:
أولهما: أن قوَّاهم بالاستراحة على القتال من الغد.
الثاني: أن أمَّنهم بزوال الرعب من قلوبهم كما يقال: «الأمن مُنيم، والخوف مُسْهِر» [1] .
وبين سبحانه وتعالى أنه أكرم المؤمنين بإنزال المطر عليهم في وقت لم يكن المعتاد فيه نزول الأمطار, وذلك فضلًا منه وكرمًا، وإسناد هذا الإنزال إلى الله للتنبيه على أنه أكرمهم به.
قال الإمام الرازي: (وقد علم بالعادة أن المؤمن يكاد يستقذر نفسه، إذ كان جنبًا، ويغتم إذا لم يتمكن من الاغتسال، ويضطرب قلبه لأجل هذا السبب فلا جَرَمَ عدَّ الله تعالى وتقدس تمكينهم من الطهارة من جملة نعمه...) [2] .
(1) انظر: تفسير القرطبي (7/327) . ... (2) انظر: تفسير الفخر الرازي (15/133) .