فهرس الكتاب
إجزاء ما عداه من المطهرات فيما عداها، فلا حصر على الماء، ولا عموم باعتبار المغسول، فأين دليل التعين المُدعى؟
واستدل [1] الخطابي والنووي بالحديث على أن النجاسات إنما تزال بالماء دون غيره من المائعات. قال في «الفتح» : لأن جميع النجاسات بمثابة الدم، ولا فرق بينه وبينها إجماعًا. وهو قول الجمهور؛ أي تعين الماء لإزالة النجاسة.
وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: يجوز تطهير النجاسة بكل مائع طاهر. واحتجوا بقول عائشة: ما كان لإحدانا إلاَّ ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم الحيض قالت بريقها، فَمَصَعَته بظفرها [2] .
وأجيب بأنها ربما فعلت ذلك تحليلًا لأثره، ثم غسلته بعد ذلك.
والحق أن الماء أصل في التطهير؛ لوصفه بذلك - كتابًا وسنة- وصْفًا مطلقًا غير مقيد، لكن القول بتعينه وعدم إجزاء غيره يرده حديث مسح النعل، وفرك المني وحتّه وإماطته بإذخرة، وأمثال ذلك كثير. ولم يأت دليل يقضي بحصر التطهير في الماء، ومجرد الأمر به في بعض النجاسات لا يستلزم الأمر به مطلقًا، وغايته تعينه في ذلك المنصوص بخصوصه، إن سلم.
فالإنصاف أن يقال: إنه يَطْهُرُ كلُّ فرد من أفراد النجاسة المنصوص على تطهيرها بما اشتمل عليه النص، إن كان فيه إحالة على فرد من أفراد المطهرات، لكنه إن كان ذلك الفردُ المحال عليه هو الماءَ فلا يجوز العدول إلى غيره؛ للمزية التي اختص بها، وعدم مساواة غيره له فيها، وإن كان ذلك الفرد غير الماء جاز العدول عنه إلى الماء لذلك. وإن وجد فرد من أفراد النجاسة لم يقع من الشارع الإحالة في تطهيره على فرد من أفراد المطهرات، بل مجرد الأمر بمطلق التطهير- فالاقتصار على الماء هو اللازم لحصول الامتثال به بالقطع، وغيره
(1) - «نيل الأوطار» (1/ 39) .
(2) - البخاري (312) من حديث مجاهد، عن عائشة به.