الصفحة 14 من 946

ففعلوا هذا المحرَّم الذي عَرَفُوا أنه محرَّم، ولكن لم يظنوه كفرا، مع أنه في الحقيقة كفر، فإنهم لم يعتقدوا جوازه [1] .

قال: وفي الآية دليل على أن الرجل إذا فعل الكفر ولم يعلم أنه كفر لا يُعذر بذلك بل يَكفر، وعلى أن السابَّ كافر بطريقِ الأَوْلى.

وقوله: أرغب بطونا، أي: أوسع، يريد كثرة الأكل، فكثرة الأكل وإن كانت مذمومة لكن هذا ذكروه في معرِض الاستهزاء.

وقد كذب هذا الرجل، فإن الصحابة -رضي اللَّه عنهم- أحسن الناس اقتصادا في الأكل وغيره، بل المنافقون والكفار -من أضراب هذا- أوسع بطونا وأكثر أكلا -كما صحت بذلك الأحاديث- وهم -أيضا- أشد الناس جبنا، وأكذب خَلْقِ اللَّه حديثا -كما وصفهم اللَّه بذلك في كتابه- ولهذا قال له عوف: كذبت، ولكنك منافق.

وفي قوله تعالى: {أَبِاللَّهِ وَ ءَايَاتِهِ و َرَسُولِهِ ... } الآية، اعتبار المقاصد؛ لأنهم لم يذكروا اللَّه ولا رسوله ولا كتابه بشيء، وإنما فُهم هذا من مقصدهم الخبيث، فإن قيل: كيف لم يقتلهم؟ قيل: مخافةَ أن يتحدث الناس أن محمدا يقتلُ أصحابَه، كما علّل بذلك صلى الله عليه و سلم.

ويُلحق بذلك: الاستهزاءُ بالأفعال والإشارات، مثل مد الشفة، أو الشفتين، وإخراج اللسان، والرمز بالعين بإغضائها، وغير ذلك من كل ما عده الناس احتقارا واستهزاء.

من هذا يتبين أن بعض الاعتذارات لا ينبغي أن تقبل؛ لأن هذه الأشياء لا تأتي إلا ممن انشرح صدره لها، ولو كان الإيمان قد وقر في قلبه لمنعه من التفوه بذلك لدى الناس، ولكفه عما يضادّه ويخالفه، فإيمانُ القلب يستلزم العملَ الظاهر بمقتضاه؛ ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: {وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [2] ، فنفى

(1) - «مجموع الفتاوى» (7/ 273) .

(2) - سورة النور: الآية (47) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت