الصفحة 284 من 946

ومن تتبع كلام العلماء على روايتي حديث أبي هريرة السابق وجد أن رواية: «فأتموا» أكثر رواة، وأصح إسنادا عند كثير من أهل الحديث، مع أن رواية: «فاقضوا» لا تخالف رواية: «فأتموا» لمن تدبر المعنى؛ لأن القضاء يراد به الإتمام، كما في قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} [1] و {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ} [2]

قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» [3] : وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «وما فاتكم فأتموا» أي: أكملوا. هذا هو الصحيح في رواية الزهري. ورواه ابن عيينة بلفظ: «فاقضوا» . وحكم عليه مسلم بالوهم في هذه اللفظة مع أنه أخرج إسناده في «صحيحه» ، لكنه لم يسق لفظه.

قال: والحاصل أن أكثر الروايات ورد بلفظ: فأتموا»، وأقلها بلفظ: «فاقضوا» . وإنما تظهر فائدة ذلك إن جعلنا بين القضاء والإتمام مغايرة، لكن إذا كان مخرج الحديث واحدًا، واختلفوا في لفظة منه، وأمكن رد الاختلاف إلى معنى واحد، كان أولى. وهنا كذلك؛ لأن القضاء وإن كان يطلق على الفائت غالبا، لكن يطلق على الأداء أيضا، ويرد لمعان أُخَر. فيحمل قوله هنا: «فاقضوا» على معنى الأداء، أو الفراغ، فلا يغاير قوله: «فأتموا» ، فلا حجة فيه لمن تمسك برواية: «فاقضوا» على أن ما أدركه المأموم مع الإمام هو آخر صلاته حتى استحب الجهر في الركعتين، وقراءة السورة. بل هو أولها، وإن كان آخر صلاة إمامه؛ لأن الآخر لا يكون إلا عن شيء تقدم.

وأوضح دليل على ذلك أنه يجب عليه أن يتشهد في آخر صلاته على كل حال، فلو كان ما يدركه مع الإمام آخرها لما احتاج إلى إعادة التشهد. انتهى ملخصا.

فظهر بما ذكرناه أن القول الصحيح: أن ما يدركه المأموم مع إمامه هو أول صلاته، وما يقضيه بعد سلامه هو آخرها. واللَّه أعلم.

(1) - سورة الجمعة: الآية (10) .

(2) - سورة البقرة: الآية (200) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت