وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «إقامة الدليل على إبطال التحليل» : لم يبلغنا أن أحدا من الصحابة والتابعين رخص في ذلك -يعني: بيع العِينة- بل عامة التابعين من أهل المدينة، والكوفة، وغيرهم على تحريم ذلك، فيكون حجة، بل إجماعا. ثم قال: ولا يجوز أن يقال: فزيد بن أرقم قد فعل هذا؛ لأن زيدا لم يقل: إنه حلال، بل يجوز أن يكون فعله جريا على العادة من غير تأمل، ولا نظر، ولا اعتقاد؛ ولهذا لم يُذكر عنه أنه أصر على ذلك بعد إنكار عائشة. وكثيرا ما يفعل الرجل النبيل الشيء مع ذهوله عما في ضمنه من مفسدة، فإذا نُبِّهَ انتبه. انتهى.
وسميت هذه المسألة بالعينة؛ لأن مشتري السلعة إلى أجل يأخذ بدلها من صاحبها عَينا، أي: دراهم نقدا، فكأنه لم يقصد السلعة، وإنما قصد العَين:
قال الشاعر:
َأنَعْتَانُ أَمْ نَدَّانُ أَمْ يَنْبَرِي لَنَا ... فتَى مِثْلُ نَصْلِ السَّيْفِ مِيزَتْ مَضَارِبُهْ
ومعنى نعتان: نشتري بالعينة.
وذكر الفقهاء: أن عكس مسألة العِينة مثلُها في التحريم. وصورتها: أن يبيع الفلاح للتاجر سلعة بستين نقدا، ثم يشتريها منه بثمانين مؤجلة؛ لأن معناهما واحد؛ فهي دراهم بدراهم متفاضلة، دخلت بينهما هذه السلعة.
وقد استثنى الفقهاء من مسألة العينة صورا، وصححوا فيها البيع: مثل ما إذا تغيرت صفة السلعة، بعد ما اشتراها الفلاح: كبعير هزل، أو حَبٍّ سَوَّسَ؛ فصار لا يساوي قيمته. ومثل ما إذا باعها الفلاح لرجل آخر، ثم اشتراها التاجر من ذلك الرجل بأنقص من ثمنها الأول. ومثل ما إذا باعها الفلاح للتاجر بثمنها دون نقص، أو بأكثر من ثمنها، فهذا لا محذور فيه. ومثل ما إذا اشتراها التاجر من الفلاح بعد أن استوفى منه ثمنها. ففي هذه الصور العقد صحيح؛ لأنها تخرج عن مسألة العِينة. واللَّه أعلم.