فهرس الكتاب
المكشوفة، وكان أحقُّها به إمامَها ومقدمَها في الذكْر والفعل وهو الوجه الذي نظافته ووضاءته عنوان على نظافة القلب، وبَعده اليدان، وهما آلة البطش، والتناول، والأخذ، فهما أحق الأعضاء بالنظافة والنزاهة بعد الوجه. ولما كان الرأس مجمع الحواس، وأعلى البدن وأشرفه، كان أحق بالنظافة، لكن لو شرع غسله في الوضوء؛ لعظمت المشقة، ولاشتدت البلية، فشرع مسح جميعه، وإقامة المسح مقام غسله؛ تخفيفا ورحمة، كما أقام المسح على الخفين مقام غسل الرجلين.
ولعل قائلا يقول: وما يجزئ مسح الرأس والرجلين من الغسل والنظافة؟ ولم يعلم هذا القائل أن إمساس العضو بالماء -امتثالا لأمر اللَّه- وطاعة له وتعبدا، يؤثر في نظافته وطهارته، ما لا يؤثر غسله بالماء والسدر بدون هذه النية، والتحاكم في هذا إلى الذوق السليم، والطبع المستقيم، كما أن مَعْكَ الوجه -أي دلكه بالتراب- امتثالا للأمر، وطاعة، وعبودية -تكسبه وضاءة، ونظافة، وبهجة تبدو على صفحاته للناظرين. ولما كانت الرِّجلان تمسان الأرض غالبا، وتباشر من الأدناس ما لا تباشره بقية الأعضاء، كانت أحق بالغسل، ولم يوفَّق للفهم عن اللَّه ورسوله من اجتزأ بمسحهما من غير حائل [1] ، فهذا وجه اختصاص هذه الأعضاء بالوضوء من بين سائرها من حيث المحسوس.
وأما من حيث المعنى، فهذه الأعضاء هي آلات الأفعال التي يباشر بها العبدُ ما يريد فعلَه، وبها يُعصى اللَّه سبحانه، ويطاع؛ فاليد تبطش، والرِِّجل تمشي، والعين تنظر، والأذن تسمع، واللسان يتكلم، فكان في غسل هذه الأعضاء؛ امتثالا لأمر اللَّه وإقامة لعبوديته ما يقتضي إزالة ما لحقها من درن المعصية ووسخها.
وقد أشار صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بعينه، حيث قال في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في «صحيحه» [2] عن عمرو ابن عبسة قال: قلت: يا رسول اللَّه، حدثني عن الوضوء، قال: «ما منكم من رجل يقرب وضوءه فيتمضمض، ويستنشق، فينتثر، إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه. ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع
(1) - يشير إلى قول من يقول بذلك من الشيعة كما هو مصرح به في كتبهم.
(2) - مسلم (832) .