فهرس الكتاب
ومع هذا فإن صيام الأيام البيض الأحاديث فيها جيدة، وأقواها حديث جرير عند النسائي (2420) ، ويقوي هذه الأحاديث ما عضدها من آثار صحاحٍ عن الصحابة، رضي الله عنهم، وعلى رأسهم الفاروق عمر، رضي الله عنه، فقد روى الحارث بن أبي أسامة في مسنده (340 - بغية) بسند صحيح أن عمر، رضي الله عنه، كان يصوم الأيام البيض، ومثل هذا لا يفعله عمر، رضي الله عنه، إلا عن توقيف، والله أعلم. وإذا ضممنا إلى ذلك- على سبيل الاستئناس- ما أثبته الطب من أن الدم في الليالي القمرية يحصل له شيء من الحركة الزائدة، فإنه قد ثبت أن الصوم يضيق مجاري الدم، فبهذا تلتقي الجهتان: الطبية مع الشرعية. وهذا- كما قلت- يُذكر على سبيل الاستئناس، وإلا فالشرع لا يثبت بمثل هذه الآراء المجردة. وبالله التوفيق. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
أحكام الاعتكاف والعشر الأواخر
هل ليلة القدر تختلف باختلاف البلدان؟!
السؤال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عن ليلة القدر:"التمسوها في الوتر من العشر الأواخر من رمضان"، ونظرًا لاختلاف التقويم بين البلاد الإسلامية، فتختلف الليالي الوتر من بلد إلى آخر، فمثلًا هذا العام يوجد اختلاف بين مصر والسعودية في بداية الشهر، فتكون الليالي الوتر بمصر ليست وترًا في السعودية، فكيف يكون ذلك؟ وهل ليلة القدر هي واحدة فقط؟ -وجزاكم الله خير الجزاء-، وجعل ذلك في ميزان حسناتكم.
المجيب د. سليمان بن وائل التويجري
الجواب:
الذي يظهر لي أنها لا تتكرر، وإنما هي ليلة واحدة في السنة، والنبي - صلى الله عليه وسلم- قال:"التمسوها في العشر الأواخر في الوتر"رواه البخاري (2016) ، ومسلم (1167) من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، فكل العشر محل لأن تقع فيها ليلة القدر من وتر وغيره، وهو لما قال:"في الوتر"، لم يلغ الالتماس في غير الوتر، كما أنه قال:"التمسوها ليلة سبع وعشرين"انظر ما رواه مسلم (762) من حديث أُبي بن كعب-رضي الله عنه- أو:"أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر"رواه البخاري (2015) ، ومسلم (1165) من حديث ابن عمر-رضي الله عنهما-"، وقال:"التمسوها في سبع يمضين، أو سبع يبقين"انظر ما رواه البخاري (2021) ، وهذا اللفظ عند أحمد (2539) ، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-، وهذا يختلف من الشهر كونه تسع وعشرين أو ثلاثين، وعلى هذا فهي ليلة واحدة، فإذا كانت - مثلا- ليلة السبع وعشرين في السعودية فهي ليلة ثمان وعشرين في مصر، أو إذا كانت ليلة سبع وعشرين في مصر فهي ليلة ست وعشرين في السعودية بالنسبة لرمضان هذه السنة، والإنسان مطلوب منه أن يجتهد في العشر كلها، وهي ليلة خفية لم يعلم ما هي بالتحديد، ولهذا كان - عليه الصلاة والسلام- يعتكف في العشر الأواخر؛ طلبًا لثوابها وإدراكها، وهو على حال يكون فيها أحسن ما يكون من التقرب إلى الله - تعالى- وحسن المناجاة له. والله ولي التوفيق."
الاعتكاف وأحكامه
السؤال: ما هو الاعتكاف؟ وإذا أراد الإنسان أن يعتكف فماذا عليه أن يفعل وماذا عليه أن يمتنع؟ وهل يجوز للمرأة أن تعتكف في البيت الحرام؟ وكيف يكون ذلك؟
المجيب عبد العزيز بن باز - رحمه الله -
الجواب:
الاعتكاف: عبادة وسنة وأفضل ما يكون في رمضان في أي مسجد تقام فيه صلاة الجماعة، كما قال تعالى:"ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد"فلا مانع من الاعتكاف في المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف، من الرجل والمرأة، إذا كان لا يضر بالمصلين ولا يؤذي أحدًا فلا بأس بذلك، والذي على المعتكف أن يلزم معتكفه ويشتغل بذكر الله والعبادة، ولا يخرج إلا لحاجة الإنسان كالبول والغائط ونحو ذلك أو لحاجة الطعام إذا كان لم يتيسر له من يحضر له الطعام فيخرج لحاجته فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخرج لحاجته، ولا يجوز للمرأة أن يأتيها زوجها وهي في الاعتكاف، وكذلك المعتكف ليس له أن يأتي زوجته وهو معتكف؛ لأن الله تعالى قال:"ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد"والأفضل له ألا يتحدث مع الناس كثيرًا بل يشتغل بالعبادة والطاعة، لكن لو زاره بعض إخوانه أو زار المرأة بعض محارمها أو بعض أخواتها في الله وتحدثت معهم أو معهن فلا بأس، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يزوره نساؤه في معتكفه ويتحدث معهن ثم ينصرفن فدل ذلك على أنه لا حرج في ذلك.
والاعتكاف هو المكث في المسجد لطاعة الله تعالى سواء كانت المدة كثيرة أو قليلة؛ لأنه لم يرد في ذلك فيما أعلم ما يدل على التحديد لا بيوم ولا بيومين ولا بما هو أكثر من ذلك، وهو عبادة مشروعة إلا إذا نذره صار واجبًا بالنذر وهو في حق المرأة والرجل سواء، ولا يشترط أن يكون معه صوم على الصحيح فلو اعتكف الرجل أو المرأة وهما مفطران فلا بأس في غير رمضان.
مجموع فتاوى الشيخ/ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-،الجزء الخامس عشر، ص (440) .
المعتكف واستخدام الهاتف