فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 97

فنقول: الذي يظهر لي - والله أعلم- صحة صومها قضاءً؛ لأن عشاءها والذي سمته سحورًا إنما هو عشاء من يريد الصوم، بل قد سمته سحورًا، والسحور إنما هو لمن يريد الصيام، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله-: (هو حين يتعشى، يتعشى عشاء من يريد الصوم، ولهذا يُفرق بين عشاء ليلة العيد وعشاء ليالي رمضان، وهذا معنى قولهم: ويكفي في النية الأكل والشرب بنية الصوم) انتهى كلامه رحمه الله. والله أعلم.

الإفطار تبعًا لأهل البلد

سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله تعالى ـ: إذا قدم الإنسان من بلد تأخر صومه إلى بلد تقدَّم صومه فمتى يفطر؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا قدم الإنسان من بلد تأخر صومه إلى بلد تقدَّم صومه فإنه يجب عليه إذا أفطر أهل البلد الذي قدم إليه أن يفطر معهم؛ لأن هذا البلد ثبت فيه دخول الشهر، فكان هذا اليوم يوم عيد، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن صيام العيدين [1] وعلى هذا فيجب على هذا الرجل الذي قدم من بلد تأخر صومه عن أهل هذا البلد الذي قدم إليه، يجب عليه أن يفطر مع أهل البلد الذي قدم إليه، وما نقص فإنه يقضيه بعد العيد، فإذا كان قد صام ثمانية وعشرين يومًا، فإنه إذا أفطر يقضي يومًا، والعكس بالعكس، يعني لو قدم من بلد صاموا قبل البلد الذي قدم إليه فإنه يبقى حتى يفطروا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس [2]

وقال بعض العلماء: إنه إذا أتم ثلاثين يومًا فإنه يفطر سرًّا، لأن الشهر لا يمكن أن يزيد على ثلاثين يومًا، ولا يعلن إفطاره؛ لأن الناس صائمون.

[مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (19/ 73) ]

شروط وجوب الصوم

سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله تعالى ـ: على من يجب الصوم؟

فأجاب فضيلته بقوله: الصيام يجب أداءً على كل مسلم، بالغ، عاقل، قادر، مقيم، خال من الموانع، فهذه ستة أوصاف، فأما الكافر فلا يجب عليه الصوم ولا غيره من العبادات، ومعنى قولنا: لا يجب عليه الصوم أنه لا يلزم به حال كفره، ولا يلزمه قضاؤه بعد إسلامه، لأن الكافر لا تقبل منه عبادة حال كفره، لقوله تعالى:"وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ"ولا يلزمه قضاء العبادة إذا أسلم، لقوله تعالى:"قُل لِلَّذِينَ كَفَرُو اْ إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ"لكنه يعاقب على ما تركه من واجبات حال كفره، لقوله تعالى عن أصحاب اليمين وهم يتساءلون عن المجرمين"مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الُخَآئِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ"فذكر ترك الصلاة وإطعام المسكين من أسباب دخولهم النار، يدل على أن لذلك تأثيرًا في دخولهم النار، بل إن الكافر يعاقب على كل ما يتمتع به من نعم الله من طعام وشراب ولباس، لقوله تعالى:"لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُو اْ إِذَا مَا اتَّقَوا وَءامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"فنفي الجُناح عن المؤمنين فيما طعموا يدل على ثبوت الجُناح على غير المؤمنين فيما طعموا، ولقوله تعالى:"قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِى لِلَّذِينَ آمَنُوا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ"فقوله:"لِلَّذِينَ آمَنُوا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ"يدل على أن الحكم في غير المؤمنين يختلف عن الحكم في المؤمنين، ولكن إذا أسلم الكافر في أثناء رمضان لم يلزمه قضاء ما سبق إسلامه، فإذا أسلم ليلة الخامس عشر مثلًا فالأيام الأربعة عشر لا يلزمه قضاؤها، وإذا أسلم في أثناء اليوم لزمه الإمساك دون القضاء، فإذا أسلم عند زوال الشمس مثلًا قلنا له: أمسك بقية يومك، ولا يلزمك القضاء. فنأمره بالإمساك؛ لأنه صار من أهل الوجوب، ولا نأمره بالقضاء، لأنه قام بما وجب عليه وهو الإمساك، ولم يكن قبله من أهل الوجوب، ومن قام بما يجب عليه لم يكلف إعادة العبادة مرة ثانية.

(1) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب صوم يوم الفطر (1990) ، ومسلم، كتاب الصيام، باب النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى (1137) .

(2) أخرجه أبو داود، كتاب الصوم، باب يوم أخطأ القوم الهلال (2323) ، والترمذي، كتاب الصوم، باب ما جاء الصوم يوم تصومون (697) ، وابن ماجه، كتاب الصيام، باب ما جاء في شهري العيد (1660) ، وصححه الألباني في صحيح الجامع (4287) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت