فهرس الكتاب
أما العقل وهو الوصف الثاني لوجوب الصوم ما يحصل به التمييز بين الأشياء، فإذا لم يكن الإنسان عاقلًا فإنه لا صوم عليه، كما أنه لا يجب عليه شيء من العبادات سوى الزكاة. ومن هذا النوع أي ممن ليس له عقل، أن يبلغ الإنسان سنًّا يسقط معه التمييز، وهو ما يعرف عند العامة «بالهذرات» فلا يلزم المهذري صوم، ولا يلزم عنه إطعام؛ لأنه ليس من أهل الوجوب.
أما الوصف الثالث: فهو البلوغ، ويحصل البلوغ بواحد من أمورٍ ثلاثة:
إما بأن يتم الإنسان خمس عشرة سنة، أو أن يُنبت العانة، وهو الشعر الخشن الذي يكون عند القُبل، أو ينزل المني بلذة، سواءً كان ذلك باحتلام أو بيقظة، وتزيد المرأة أمرًا رابعًا وهو الحيض، فإذا حاضت المرأة بلغت، وعلى هذا فمن تم له خمس عشرة سنة من ذكر أو أنثى فقد بلغ، ومن نبتت عانته ولو قبل خمس عشرة سنة من ذكر أو أنثى فقد بلغ، ومن أنزل منيًا بلذة من ذكر أو أنثى ولو قبل خمس عشرة سنة فقد بلغ، ومن حاضت ولو قبل خمس عشرة سنة فقد بلغت، وربما تحيض المرأة وهي بنت عشر سنين، وهنا يجب التنبه لهذه المسألة التي يغفل عنها كثير من الناس، فإن بعض النساء تحيض مبكرة، ولا تدري أنه يلزمها الصوم وغيره من العبادات التي يتوقف وجوبها على البلوغ؛ لأن كثيرًا من الناس يظن أن البلوغ إنما يكون بتمام خمس عشرة سنة، وهذا ظن لا أصل له.
فإذا لم يكن الإنسان بالغًا فإن الصوم لا يجب عليه، ولكن ذكر أهل العلم أن الولي مأمورٌ بأن يأمر موليه الصغير من ذكر أو أنثى بالصوم ليعتاده، حتى يتمرن عليه ويسهل عليه إذا بلغ، وهذا ما كان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ يفعلونه، فإنهم كانوا يصوِّمون أولادهم الصغار، حتى إن الواحد منهم ليبكي، فيعطى لعبة من العهن يتلهى بها حتى تغرب الشمس.
وأما الوصف الرابع: فهو أن يكون الإنسان قادرًا على الصوم، فإن كان غير قادر فلا صوم عليه، ولكن غير القادر ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكون عجزه عن الصوم مستمرًّا دائمًا: كالكبير، والمريض مرضًا لا يرجى برؤه، فهذا يطعم عن كل يوم مسكينًا، فإذا كان الشهر ثلاثين يومًا أطعم ثلاثين مسكينًا، وإذا كان الشهر تسعة وعشرين يومًا أطعم تسعة وعشرين مسكينًا، وللإطعام كيفيتان:
الكيفية الأولى: أن يخرج حبًّا من أرز أو بر، وقدره ربع صاع بصاع النبي -صلى الله عليه وسلم- أي خُمُس صاع بالصاع المعروف هنا، ويساوي -أعني صاع النبي صلى الله عليه وسلم- كيلوين وأربعين غرامًا بالبر الجيد الرزين، يعني أنك إذا وزنت من البر الرزين الدجن ما يبلغ كيلوين وأربعين غرامًا فإن هذا صاع بصاع النبي -صلى الله عليه وسلم-والصاع بصاع النبي -صلى الله عليه وسلم- أربعة أمداد فيكفي لأربعة مساكين، ويحسن في هذا الحال أن تجعل معه إذا دفعته للفقير أن تجعل معه شيئًا يؤدمه من لحم أو غيره، حسب ما تقتضيه الحال والعرف.
والوجه الثاني من الإطعام: أن يصنع طعامًا يكفي لثلاثين فقيرًا، أو تسعة وعشرين فقيرًا حسب الشهر ويدعوهم إليه، كما ذكر ذلك عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ حين كبر، ولا يجوز أن يطعم شخصًا واحدًا مقدار ما يكفي الثلاثين، أو التسعة والعشرين؛ لأنه لابد أن يكون عن كل يوم مسكين.
القسم الثاني من العجز عن الصوم: فهو العجز الذي يرجى زواله، وهو العجز الطارئ: كمرض حدث على الإنسان في أيام الصوم، وكان يشق عليه أن يصوم، فنقول له: أفطر واقض يومًا مكانه، لقول الله تعالى:"وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ".
أما الوصف الخامس: فهو أن يكون مقيمًا وضده المسافر، وهو الذي فارق وطنه فلا يلزمه الصوم، وعليه القضاء، لقول الله تعالى:"وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ"ولكن الأفضل أن يصوم، إلا أن يشق عليه فالأفضل الفطر. لقول أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ: كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في رمضان في يوم شديد الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعبد الله بن رواحة، أما إذا شقَّ عليه الصوم فإنه يفطر ولابد، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- شُكي إليه أن الناس قد شق عليهم الصيام فأفطر، ثم قيل له: إن بعض الناس قد صام فقال: «أولئك العُصاة، أولئك العصاة» ومتى برئ المريض، أو قدم المسافر إلى بلده وجب عليه القضاء، وله تأخيره إلى أن يبقى بينه وبين رمضان الثاني بقدر الأيام التي عليه.
أما الوصف السادس: فأن يكون خاليًا من الموانع، أي من موانع الوجوب، وهذا يختص بالمرأة، فيشترط في وجوب الصوم عليها أداءً ألا تكون حائضًا ولا نفساء، فإن كانت حائضًا أو نفساء فإنه لا يلزمها الصوم، وإنما تقضي بدل الأيام التي أفطرت، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- مقررًا ذلك: «أليست إذا حاضت لم تصل ولم تصم» أي إذا حاضت المرأة فلا صوم عليها، ولكن تقضيه في أيام أخر: كالمريض.
وهنا مسألتان ينبغي التفطن لهما: