فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 97

والحال الثانية: أن تكون الحامل غير متحملة لصيام: إما لثقل الحمل عليها، أو لضعفها في جسمها، أو لغير ذلك، وفي هذه الحال تفطر، لاسيما إذا كان الضرر على جنينها، فإنه قد يجب الفطر عليها حينئذ. وإذا أفطرت فإنها كغيرها ممن يفطر لعذر يجب عليها قضاء الصوم متى زال ذلك العذر عنها، فإذا وضعت وجب عليها قضاء الصوم بعد أن تطهر من النفاس، ولكن أحيانًا يزول عذر الحمل ويلحقه عذر آخر وهو عذر الإرضاع، وأن المرضع قد تحتاج إلى الأكل والشرب لاسيما في أيام الصيف الطويلة النهار، الشديدة الحر، فإنها قد تحتاج إلى أن تفطر لتتمكن من تغذية ولدها بلبنها، وفي هذه الحال نقول لها أيضًا: أفطري، فإذا زال عنك العذر فإنك تقضين ما فاتك من الصوم.

وقد ذكر بعض أهل العلم أنه إذا أفطرت الحامل والمرضع من أجل الخوف على الولد فقط دون الأم، فإنه يجب عليهما مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم، يدفعه من تلزمه نفقة ذلك الطفل، وفي معنى ذلك ـ أي في معنى الحامل والمرضع التي تفطر خوفًا على الولد ـ في معنى ذلك من أفطر لإنقاذ غريق أو حريق ممن يجب إنقاذه فإنه يفطر ويقضي، مثلًا: رأيت النار تلتهم بيتًا، وفيه أناس مسلمون، ولا يمكن أن تقوم بالواجب، (واجب الإنقاذ) إلا إذا أفطرت وشربت لتتقوى على إنقاذ هؤلاء، فإنه يجوز لك بل يجب عليك في هذه الحال أن تفطر لإنقاذهم، ومثله هؤلاء الذين يشتغلون بالإطفاء، فإنهم إذا حصل حريق في النهار وذهبوا لإنقاذه، ولم يتمكنوا منه إلا بأن يفطروا ويتناولوا ما تقوى به أبدانهم، فإنهم يفطرون ويتناولون ما تقوى به أبدانهم؛ لأن هذا شبيه تمامًا بالحامل التي تخاف على جنينها، والمرضع التي تخاف على ولدها، والله -تبارك وتعالى- حكيم لا يفرق بين شيئين متماثلين في المعنى، بل يكون حكمهما واحد، وهذه من كمال الشريعة الإسلامية، وهو عدم التفريق بين المتماثلين، وعدم الجمع بين المختلفين، والله عليم حكيم.

[مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (19/ 162) ]

إمساك من لم يعلم برؤية الهلال ليلًا

سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله تعالى ـ: رجل يقول: إنني في الليلة التي نتحرى فيها دخول شهر رمضان نمت تلك الليلة، ولم أعلم أنه قد دخل شهر رمضان، وبعد خروجي في الصباح تبلغت أن ذلك اليوم صيام، فأمسكت بعد صلاة الفجر قريب طلوع الشمس، فهل صيامي ذلك اليوم صحيح، وهو ليس بنية سابقة قبل الفجر؟

فأجاب فضيلته بقوله: صيامك صحيح؛ لأن النية تتبع العلم، وأنت لم تعلم بأن هذا اليوم من رمضان وأنت نائم، ونيتك كنية كل مسلم، نيتك أنه إن كان غدًا من رمضان فأنت صائم، فمادامت هذه نيتك فقد نمت على نية صحيحة، وإن كانت معلَّقة، لكن تعليق الأحكام وتعليق النيات وتعليق الدعاء وما أشبه ذلك أمر ثابت شرعًا، تعليق الأحكام الشرعية بالشروط ثابت، وتعليق الدعاء بالشروط ثابت، وتعليق النيات أيضًا مثل ذلك تعليق الأحكام الشرعية.

جاءت ضباعة بنت الزبير ـ رضي الله عنها ـ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله، إني أريد الحج، وأجدني شاكية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حجي واشترطي: إن محلي حيث حبستني. فإن لك على ربك ما استثنيتِ [1] هذا اشتراط في الحكم، الاشتراط في الدعاء قال الله -تعالى- في آية المتلاعنين:"فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ"هذا دعاء معلَّق بشرط، وكذلك تقول هي:"وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ"فالدعاء يصح أن يعلق بالشرط، والأحكام الشرعية يصح أن تعلَّق بالشرط إلا إذا ورد النص بخلافها. هذا المسلم الذي نام قبل أن يعلم بأن غدًا من رمضان، نائم وهو معتقد في نفسه وجازم على إنه إن كان من رمضان فهو صائم، فإذا لم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر، وتبين له أن هذا اليوم من رمضان فهو على صيامه، وصيامه صحيح.

[مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (19/ 178) ]

تبييت النية في صيام النفل

سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله تعالى ـ: هل صيام الست من شوال ويوم عرفة يكون لها حكم صيام الفرض، فيشترط فيها تبييت النية من الليل؟ أم يكون لها حكم صيام النفل، بحيث يجوز للإنسان أن ينوي صيامها ولو وسط النهار؟ وهل يكون أجر الصيام وسط النهار كأجر من تسحَّر وصام النهار إلى آخره؟

(1) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين (5089) مسلم، كتاب الحج، باب جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه (1207) ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت