فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 97

فأجاب فضيلته بقوله: نعم صيام النفل يجوز بنية من أثناء النهار، بشرط ألا يكون فعل مفطرًا قبل ذلك، فمثلًا لو أن الإنسان أكل بعد طلوع الفجر، وفي أثناء اليوم نوى الصوم نقول هنا: لا يمكن أن يصح صومه، لأنه أكل، لكن لو كان لم يأكل منذ طلع الفجر، ولم يفعل ما يفطر، ثم نوى في أثناء النهار الصوم وهو نافلة، فنقول: هذا جائز؛ لأنه وردت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك حين دخل على أهله فطلب منهم طعامًا، فقالوا: ليس عندنا شيء. فقال: «إني إذًا صائم [1]

ولكن الوقت لا يكون إلا من وقت النية، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات [2] فما قبل النية فلا يكتب له أجره، وما بعده يكتب له أجره، وإذا كان الأجر مرتبًا على صوم اليوم، فإن هذا لم يصم اليوم كاملًا، بل بعض اليوم بالنية، وبناءً على ذلك لو أن أحدًا قام من بعد طلوع الفجر ولم يأكل شيئًا، وفي نصف النهار نوى الصوم على أنه من أيام الست، ثم صام بعد هذا اليوم خمسة أيام، فيكون قد صام خمسة أيام ونصفًا، وإن كان نوى بعد مضي ربع النهار، فيكون قد صام خمسة أيام وثلاثة أرباع؛ لأن الأعمال بالنيات، والحديث «من صام رمضان ثم أتبعه ستة أيام من شوال [3] وحينئذ نقول لهذا الأخ: لم تحصل على ثواب أجر صيام الأيام الستة، لأنك لم تصم ستة أيام، وهذا يقال في يوم عرفة، أما لو كان الصوم نفلًا مطلقًا، فإنه يصح ويثاب من وقت نيته فقط.

[مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (19/ 184) ]

مفسدات الصوم

سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله تعالى ـ: ما هي المفطرات التي تفطر الصائم؟

فأجاب فضيلته بقوله: المفطرات في القرآن ثلاثة: الأكل، الشرب، الجماع. ودليل ذلك قوله تعالى:"فالآن بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ".

فبالنسبة للأكل والشرب سواء كان حلالًا أم حرامًا، وسواء كان نافعًا أم ضارًّا، وسواء كان قليلًا أم كثيرًا، وعلى هذا فشرب الدخان مفطر، ولو كان ضارًّا حرامًا.

حتى إن العلماء قالوا: لو أن رجلًا بلع خرزة لأفطر. والخرزة لا تنفع البدن، ومع ذلك تعتبر من المفطرات. ولو أكل عجينًا عجن بنجس لأفطر مع أنه ضار.

الثالث: الجماع، وهو أغلظ أنواع المفطرات، لوجوب الكفارة فيه، والكفارة هي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا.

الرابع: إنزال المني بلذة، فإذا أخرجه الإنسان بلذة فسد صومه، ولكن ليس فيه كفارة، لأن الكفارة تكون في الجماع خاصة.

الخامس: الإبر التي يستغنى بها عن الطعام والشراب، وهي المغذية، أما الإبر غير المغذية فلا تفسد الصيام، سواء أخذها الإنسان بالوريد، أو بالعضلات، لأنها ليست أكلًا ولا شربًا ولا بمعنى الأكل والشرب.

السادس: القيء عمدًا، فإذا تقيأ الإنسان عمدًا فسد صومه، وإن غلبه القيء فليس عليه شيء.

السابع: خروج دم الحيض أو النفاس، فإذا خرج من المرأة دم الحيض، أو النفاس ولو قبل الغروب بلحظة فسد الصوم. وإن خرج دم النفاس أو الحيض بعد الغروب بلحظة واحدة صحَّ صومها.

الثامن: إخراج الدم بالحجامة، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أفطر الحاجم والمحجوم [4] فإذا احتجم الرجل وظهر منه دم فسد صومه، وفسد صوم من حجمه إذا كانت بالطريقة المعروفة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أن الحاجم يمص قارورة الدم، أما إذا حجم بواسطة الا لات المنفصلة عن الحاجم، فإن المحجوم يفطر، والحاجم لا يفطر.

وإذا وقعت هذه المفطرات في نهار رمضان من صائم يجب عليه الصوم بدون عذر، ترتب على ذلك أربعة أمور:

الإثم، وفساد الصوم، ووجوب الإمساك بقية ذلك اليوم، ووجوب القضاء.

وإن كان الفطر بالجماع ترتب على ذلك أمر خامس وهو الكفارة. ولكن يجب أن نعلم أن هذه المفطرات لا تفسد الصوم إلا بشروط ثلاثة:

(1) أخرجه مسلم، كتاب الصيام، باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال وجواز فطر الصائم نفلًا من غير عذر (1154) (169) .

(2) أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (1) ، ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم-:"إنما الأعمال بالنيات" (1907) .

(3) أخرجه مسلم، كتاب الصوم، باب استحباب صوم ستة أيام من شوال اتباعًا لرمضان (1164) (204)

(4) أخرجه أبو داود، كتاب الصوم، باب في الصائم يحتجم (2369) ، وابن ماجه، كتاب الصيام، باب ما جاء في الحجامة للصائم (1681) ، والترمذي، كتاب الصوم، باب ما جاء في كراهية الحجامة للصائم (774) ، وقال: حسن، صحيح. وغيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت