4 -أما تمثل جبريل عليه السلام في صورة دحية الكلبي وغيره ، فقياس فاسد لما يلي:
وهو أنَّ القدرة على التشكيل من خصائص عالم الغيب عن عالم الشهادة فقد جعل الله سبحانه وتعالى للملائكة القدرة على أن يتشكلوا بغير أشكالهم تشكلًا حقيقيًا كما في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية ففي القرآن أرسل الله تعالى جبريل إلى مريم في صورة بشر { فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرًا سويًا } (مريم/17) وجاءت الملائكة إلى إبراهيم في صورة بشر . وإلى لوط في صورة شباب حسان الوجوه . وجاء جبريل إلى نبينا ورسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - في صور وأشكال متعددة في صورة دحية الكلبي ، وفي صورة أعرابي .. ومن إعطاء الله القدرة على التشكيل ما في قصة: الأقرع والأبرص والأعمى . وقد أعطى الله الشياطين والجان: القدرة على التشكل بأشكال الإنسان والحيوان. ومنها مجيء الشيطان إلى المشركين يوم بدر في صورة سراقة ابن مالك . كما تتشكل في صورة كلب .. أو حيات . والشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم . فهذه تشكلات حقيقية أقدر الله عليها عالم الغيب من الملائكة الأبرار ، والشياطين والجن الأشرار ، واختصهم بها لعلة الإمتحان والإبتلاء والإختبار في بعضها ، ولعلل وأحكام لا يعلمها إلا من قدرها ، ولم تكن هذه التشكلات الحقيقية لآدمي قط فهي قاصرة على محلها في (عالم الغيب) . بناء على هذا فقياس (عالم الشهادة) على (عالم الغيب) في ذلك قياس فاسد ، لأنه قياس تشكل جزئي وهمي كاذب ، على تشكل كلي حقيقي صادق ، ولأنَّ العلة الجامعة قاصرة على محلها في عالم الغيب ، وتوفرها في طرفي القياس ركن في صحته وفقدانها هنا ظاهر فضلًا عن شرط تساويهما في الفرع والأصل لو وجدت ، فهي مفقودة أصلًا في النوع المقيس.
ولو اشتركا في العلة فشرطها أن تكون بوصف ظاهر وليست في عالم الغيب كذلك فنخلص من هذا أنه قياس فاسد لاختلال ركنه وشرطه والله أعلم.اهـ كتاب"التمثيل" (ص49-55) .