فهذه الأحاديث التي تقدم تخريجها من (( الصحيحين ) )وغيرهما النهي فيها عن البزاق إلى القبلة في المسجد أو خارج المسجد متوجه ومنصب على من هو في داخل الصلاة، وتبويبات أهل العلم تبين أنهم فهموا ذلك، فقد بوب البخاري في (( صحيحه ) )رقم (411) باب لا يبصق عن يمينه في الصلاة، وذكر حديث أبي هريرة: (( إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يبصق عن يمينه ) ). وتمام الحديث عند مسلم: (( ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه ) ). وبوب الإمام البيهقي في (( الكبرى ) )باب من بزق وهو يصلي، وذكر حديث أنس وأبي هريرة وطارق، قال الحافظ في (( الفتح ) )شرح حديث (405) : هذا التعليل يدل أن البزاق في القبلة حرام سواء كان في المسجد أم لا لا سيما من المصلي فلا يجري فيه الخلاف. اهـ المراد من (( الفتح ) ).
قلت: ولا يغرنك تبويب بعضهم بقوله: باب كراهية البزاق إلى القبلة، فإن أحاديث النهي عن البزاق عن القبلة المتقدم ذكرها لا نعلم لها صارفا، بالإضافة إلى ما فيها من الوعيد كقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من حديث حذيفة وابن عمر بمعنى: (( من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفلته بين عينيه ) ). أفمثل هذا الوعيد مع شدة غضبه وتغيظه من ذلك يكون على فعل مكروه كراهة تنزيه.
أما مسألة النهي في حديث حذيفة وابن عمر المتقدم ذكرهما هل هذا الوعيد يشمل من بصق إلى القبلة في خارج الصلاة؟ الذي ترجح لدي أن هذا الوعيد مخصوص بمن بصق إلى القبلة وهو يصلي، ولا بأس بالبزاق إليها خارج الصلاة وقد قال بذلك جمع من أهل العلم فقال صاحب (( معارف السنن ) ) (ج5 ص63-64) بعد أن نقل عن شيخه تسعة أقوال قال: والراجح عندي أنه -يعني النهي- لأجل المواجهة الحاصلة بين المصلي وبين الله، والظاهر أن العثار احترام القبلة عند الصلاة ووصلة المناجاة. اهـ المراد.
وقال أبوالوليد الباجي في شرحه (( لموطأ مالك ) ) (ج1 ص337) عند شرح هذا الحديث قال: ويحتمل معاني: