وأَما ما استدل به الشافعي ومَنْ تَبِعَهُ من القول بالتراخي، أَنَّ الحج فُرِضَ في سنة خَمْس أَوْ سِت أَوْ تِسْع، وحجّ عليه الصلاة والسلام في سنة عشر، ولو كان على الفور لم يؤخر، فأُجيب عنه بأَنه صلى الله عليه وسلم قد عَلِمَ بالوَحْي أَنه يعيش إِلى أَنْ يؤديه ويُعَلِّمَ الناس مناسكهم تكميلًا للتبليغ، فكان آمِنًا من فواته، أَوْ لأَنه كان لعذر من نزول الآية بعد فوات الوقت، أَوْ لِخَوْفٍ من المشركين على أَهل المدينة، أَوْ لغير ذلك مِن أَمر النبيّ صلى الله عليه وسلم واختلاط المشركين بالمؤمنين ونحوها من جواز الحج النفل للضرورة كما قلنا.
ومما يدل على أَنه فُرِض سنة خمس، ما رواه أَحمد في «مسنده» من طريق محمد ابن إِسحاق: حدّثني محمد بن الوليد بن نُوَيْفِع، عن كُرَيْب، عن ابن عباس قال: بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بنِ بكر ضِمَامَ بنَ ثعلبةَ وافدًا إِلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَذَكَر له فرائض الإِسلام: الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، بعد أَنْ ذَكَرَ التوحيد. قال: وقد رواه شُرَيك بن أَبي نَمِر عن كُرَيب فقال فيه: بَعَثَتْ بنو سعد ضِمامًا في رجب سنة خمس. ومما يؤيد وجه الفورية حديث الحجاج بن عمرو الأَنصاري: «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فقد حلَّ، وعليه الحج من قابل» . وهذا بناء على أَنَّ لفظ «قابل» متعارف في السَّنَّة الآتية التي تلي هذه السَّنَّة.
والحاصل: أَن حقيقة دليل وجوب الفور هو الاحتياط، فلا يدفعه أَنَّ مقتضى الأَمر المطلق جواز التأْخير بشرط عدم التفويت.