شرح الوقاية
ولو أُكْرِه على تردَ من جبلٍ عالٍ، أو على اقتحام نارٍ مضطرمةٍ لا يرجو النجاة منها، أَو على طرح نفسه في ماءٍ مهلكٍ يقتل، له الصَّبْر والاقتحام عند أبي حنيفة، لأن من الناس مَنْ يختار ألم النار على ألم السيف، وصبَّره محمد ومنعه عن فعل ما أُمِرَ به، واضطرب قول أبي يوسف بين الصَّبر والاقتحام، وكذا الخلاف بينهم لو وقعت نارٌ في سفينةٍ: إن صبر احترق، وإن ألقى نفسه غرق.
وحكم الإكراه على التردّي المهلك، والإلقاء في الماء المُغْرِق، لزومُ الدِّية على المكرِه عند أبي حنيفة. وعند محمد: قتل الحامل على التردّي والإلقاء في الماء، كما يقتل الحامل على اقتحام النار بالقتل، ويوافق أبو يوسف محمدًا في وجوب القَوَد في الصور الثَّلاث في الصحيح عنه، لأنه لمّا أُبِيحَ له الإقدام صار آلة للمكرِه. والدليل عليه: حديث زيد بن وَهْب قال: استعمل عمر بن الخطاب رجلًا على جيش فخرج نحو الجبل، فانتهى إلى نهر ليس عليه جسر في يومِ باردٍ، فقال أمير الجيش لرجل: انزل فابغ لنا مخاضة نجوز فيها، فقال الرجل: إني إِن دخلت الماء أموت، فأكرهه، فدخل الماء وقال: يا عمراه، ثم لم يلبث أن هلك، فبلغ ذلك عمر وهو في سوق المدينة، فقال: يا لبيكاه يا لبيكاه، فبعث إلى الأمير فنزعه وقال: لولا أن يكون سنةً لأقَدْتُه منك، ثم غرَّمه الدِّية، وقال: لا تعمل لي عملًا أبدًا.
فقال: إنما أمره الأمير بهذا على غير إرادة قتله، بل ليدخل الماء فينظر لهم مخاضة فضمَّنه عمر ديته، فكيف بمن أمره وهو يريد قتله بذلك. وفيه دليلٌ على أنه يجب القَوَد على المكرِه، وأنه يجب بغير سلاحٍ.