(وَضَمِنَ الحَامِلُ) لصاحب المال، لأن المُكرَه آلة للحامل فيما يصلح آلة، وهو الإتلاف، فكان الحامل هو المُتْلِف لهذا المال. (لاَ قَتْلُهُ) أي لا يُرَخَّص قتل المسلم بالإكراه الملجىء على قتله، لأن قتل المسلم لا يُبَاح للضرورة، فكذا للإكراه. ولأن دليل الرُّخصة خوف التلف، والمكرِه والمكرَه عليه في ذلك سواء. فسقط الكره للتعارض.
ولو قال: لَتَقْطَعَنَّ يد نفسك أو لأقْطَعَنَّها أنا، لم يسعه قطعها، لأنه في الجانبين عليه ضرر قطع اليد، وإذا امتنع صارت يده مقطوعةً بفعل المكرِه، وإذا أقدم عليه صارت مقطوعةً بفعل نفسه، وهو يتيقّن بما يفعله بنفسه، ولا يتيقّن بما هدَّده به المكرِه، إذ ربّما يخوّفه بما لا يحقّقه، فلهذا لا يسعه قطعها، ولو قطعها لم يكن على الذي أكرهه شيءٌ.
وكذا لو قال له: لتقتلنَّ نفسك بهذا السيف، أو لأقتلنّك (به، لم يكن هذا إكراهًا لما قلنا. ولو قال: لتقتلنّ نفسك بهذا السيف، أو لأقتلنَّك) بالسياط، أو ذكر (له) نوعًا من القتل هو أشدّ عليه ممّا أمره أن يفعله بنفسه، فقتل نفسه قُتِلَ به الذي أكرهه، لأن الإكراه تحقّق هنا، فإنه قصد بالإقدام على ما طلب منه دفع ما هو أشدّ عليه، إذ القتل بالسياط أفحش وأشدُّ على البدن من القتل بالسيف، لأن القتل به يكون لحظة، وبالسياط يطول ويتوالى الألم. وإليه أَشار حُذَيْفَة حيث قال: فتنة السوط أشدّ من فتنة السيف.
(وَيُقَادُ هُوَ) أي الحامل إن كان القتل عمدًا (فَقَطْ) أي ولا يُقَاد الفاعل معه ولا وحده، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال مالك والشّافعيّ وأحمد: يُقَادان، لأن الفاعل قاتل حقيقةً والحامل متسبِّبٌ، والمتسبِّب عندهم في القَوَد كالمباشر، كما في شهود القصاص إذا رجعوا. وقال زُفَر: يُقَاد الفاعل فقط، وقال أبو يوسف: لا يُقَاد واحدٌ منهما، لأن الفاعل قاتلٌ حقيقةً لا حُكْمًا، والحامل بالعكس، فتمكَّنت الشبهة من الجانبين.