الصفحة 2287 من 2344

(وَبِالصَّبْرِ أَجْرٌ) أي وإن لم يُظْهِر الكفر وصبر على ما أُكْرِه من قتلٍ أو قطعٍ أُثِيبَ، لأن الحرمة لمّا كانت باقية، كان باذلًا نفسه لإِعزاز الدين تمسّكًا بالعزيمة، فكان شهيدًا. ولِمَا رُوِيَ أن مُسَيْلَمة الكذّاب أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فما تقول فيّ؟ قال: أنت أيضًا، فخلاّه. وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فما تقول فيّ؟ قال: أنا أصمّ، فأعاد عليه ثلاثًا، فأعاد جوابه فقتله، فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أما الأوّل فقد أخذ برخصة (الله تعالى) ، وأمّا الثَّاني فقد صدع بالحقّ فهنيئًا له» . وما في «صحيح البخاري» من صَبْر حُبَيْب على القتل، وقوله حين عزموا على قتله:

*ولَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ** على أيِّ شِقٍ كَانَ للَّهِ مَصْرَعي

*وذَلِكَ في ذَاتِ الإلَهِ وإنْ يَشَأْ ** يُبَارِك عَلَى أَوْصَال (شِلوٍ) ممزّع

أي أعضاء جسدٍ مقطّع، وهو خُبَيْب بن عَدِيّ الأنصاري، حضر بدرًا وأُسِرَ في غزوة الرَّجِيع سنة ثلاث، فانْطُلِقَ به إلى مكة فاشتراه بنو الحارث بن عامر، وكان خُبَيْب قد قتل الحارث يوم بدرٍ كافرًا، فاشتراه بنوه فأقام عندهم أسيرًا، ثُمَّ صلبوه بالتَّنْعِيم، وهو أول من صُلِبَ من أهل الإسلام، ولمّا خرجوا به من الحَرَم ليقتلوه قال: دَعُوني أُصلّي ركعتين، ثم أنشأ البيتين.

(وَ) رُخِّصَ بالملجىء (إتْلاَفُ مَالِ مَسْلِمٍ) لأن مال الغير يُسْتَبَاح للضرورة، كما في حال المَخْمَصة، وقد تحقَّقت الضرورة هنا. ولو صبر حتّى قُتل كان شهيدًا، لأنه بذل نفسه لإِعزاز الدين، لأن الحرمة باقية، فالامتناع عزيمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت