الصفحة 20 من 70

قال النووي: (قَالَ اللَّه تَعَالَى: كُلّ عَمَلِ اِبْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ هُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَاهُ مَعَ كَوْن جَمِيع الطَّاعَات لِلَّهِ تَعَالَى.

فَقِيلَ: سَبَب إِضَافَتِهِ إِلَى اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ لَمْ يُعْبَدْ أَحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ , فَلَمْ يُعَظِّم الْكُفَّارُ فِي عَصْرٍ مِنْ الأَعْصَارِ مَعْبُودًا لَهُمْ بِالصِّيَامِ , وَإِنْ كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ بِصُورَةِ الصَّلاةِ وَالسُّجُودِ وَالصَّدَقَةِ وَالذِّكْرِ وَغَيْر ذَلِكَ.

وَقِيلَ: لأَنَّ الصَّوْم بَعِيدٌ مِنْ الرِّيَاء لِخَفَائِهِ , بِخِلافِ الصَّلاة وَالْحَجّ وَالْغَزْوَة وَالصَّدَقَة وَغَيْرهَا مِنْ الْعِبَادَات الظَّاهِرَة.

وَقِيلَ: لأَنَّهُ لَيْسَ لِلصَّائِمِ وَنَفْسه فِيهِ حَظٌّ , قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ.

قَالَ: وَقِيلَ: إِنَّ الاسْتِغْنَاء عَنْ الطَّعَام مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى , فَتَقَرُّب الصَّائِم بِمَا يَتَعَلَّق بِهَذِهِ الصِّفَة وَإِنْ كَانَتْ صِفَاتُ اللَّهِ تَعَالَى لا يُشْبِهُهَا شَيْءٌ.

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: أَنَا الْمُنْفَرِدُ بِعِلْمِ مِقْدَار ثَوَابه أَوْ تَضْعِيف حَسَنَاته وَغَيْره مِنْ الْعِبَادَات أَظْهَر سُبْحَانَهُ بَعْض مَخْلُوقَاته عَلَى مِقْدَار ثَوَابهَا.

وَقِيلَ: هِيَ إِضَافَة تَشْرِيف , كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {نَاقَة اللَّه} مَعَ أَنَّ الْعَالَم كُلّه لِلَّهِ تَعَالَى.

وَفِي هَذَا الْحَدِيث بَيَان عِظَم فَضْل الصَّوْم وَحَثّ إِلَيْهِ. [1]

قال الحافظ: أَقْوَال الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى إِضَافَته سُبْحَانه وَتَعَالَى الصِّيَام إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ:"فَإِنَّهُ لِي":

ـ لأَنَّهُ عِبَادَة خَالِيَة عَنْ السَّعْي , وَإِنَّمَا هِيَ تَرْك مَحْض.

ـ يَقُول هُوَ لِي فَلا يَشْغَلك مَا هُوَ لَك عَمَّا هُوَ فِي.

ـ مَنْ شَغَلَهُ مَا لِي عَنِّي أَعْرَضْت عَنْهُ وَإِلا كُنْت لَهُ عِوَضًا عَنْ الْكُلّ.

ـ لا يَقْطَعك مَا لِي عَنِّي.

ـ لا يَشْغَلك الْمِلْك عَنْ الْمَالِك.

ـ فَلا تَطْلُب غَيْرِي.

ـ فَلا يَفْسُد مَا لِي عَلَيْك بِك.

ـ فَاشْكُرْنِي عَلَى أَنْ جَعَلْتُك مَحَلًا لِلْقِيَامِ بِمَا هُوَ لِي.

ـ فَلا تَجْعَل لِنَفْسِك فِيهِ حُكْمًا.

ـ فَمَنْ ضَيَّعَ حُرْمَة مَا لِي ضَيَّعْت حُرْمَة مَا لَهُ لأَنَّ فِيهِ جَبْر الْفَرَائِض وَالْحُدُود.

ـ فَمَنْ أَدَّاهُ بِمَا لِي وَهُوَ نَفْسه صَحَّ الْبَيْع.

(1) شرح مسلم (8/ 29)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت