إذا كان الأمر على ما وصفنا من استقرار الأمر على المرحلة الأخيرة فما حكم المراحل السابقة هل زال حكمها بالكلية أم يعمل بها عند الحاجة. الحق أن أكثر السلف وأهل العلم صرحوا بنسخ آيات الصفح والصبر والكف ونحوها من المسالمة والموادعة ، وأنكر البعض النسخ كالزركشي حيث قال في البرهان (41:21-24) قسم بعضهم النسخ من وجه آخر إلى ثلاثة أضرب:-
الثالث: ما أمر به لسبب ثم يزول السبب كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والمغفرة للذين لا يرجون لقاء الله تعالي ونحوه من عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والجهاد ونحوها ثم نسخه إيجاب ذلك هذا ليس بنسخ في الحقيقة وإنما هو نسئ كما قال تعالي: ( أَوْ نُنسِهَا ( ، فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون .
وفى حالة الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى وبهذا التحقيق تبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف .أهـ.
وذكر السيوطي هذا الكلام في الإتقان ولم ينسبه للزركشي (الإتقان:66) والحقيقة أن الخلاف بين الفريقين خلاف لفظي لا حقيقة له إذ مصطلح النسخ عند السلف يشمل التقييد والتخصيص وبيان الإجمال كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الإكليل (116) ، فالجميع تفق على أنه لا يكلف المستضعف الذي يشبه حاله حال رسول الله صلي الله عليه وسلم والمسلمين بمكة ما لا طاقة له به من القتال ، وقد سبق الزركشي غيره من أهل العلم بذلك.