وبهذه النقول كلها يتضح لك أنه لا خلف بين السلف أن العمل بالمرحل الأخيرة من الجهاد إنما هو حسب الإمكان والقدرة وأما مالا قدرة عليه فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ، وإلا عليهم الأخذ بأسباب القدرة حتى يزول عنهم هذا الاضطرار ، وهكذا يتضح لك أخي الكريم أن إنكار المرحلية بالكلية واعتبارها جنبًا وإلزام من يقول بها بأنه يدعو إلى ترك سائر الواجبات التي فرضت بعد المرحلة المكية غلو مخالف لكلام أهل العلم من المذاهب الأربعة وغيرهم ، والله أعلم .
* هل يقتصر معنى الضرر والعجز في الجهاد على المعنى الحسي؟
سبق أن نقلنا كلام أهل العلم عن سقوط وجوب الجهاد عن الأعمى والأعرج والصبيان والنساء والمرضى وعادم الأهبة والنفقة ونحوهم (راجع كلام النووي في المنهاج السابق ذكره) ، وذلك لقوله تعالى: ( لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ( ] النور:61[
فهل تقتصر صورة الضرر على ذلك كما حاول البعض قصرها على ذلك أم أنه عند غلبة الظن بحصول الأذى الجسيم على طائفة من المسلمين من هزيمة وقتل وسبى وأسر من غير مصلحة راجحة تدخل في هذا المعنى كذلك .
لاشك أن هذه الصورة داخلة في معنى العجز وقد سبق في المسألة السابقة في كلام العلماء على حالة الضرورة واحتمال نوع من الصغار فيها لدفع صغار أعظم منه ، وقد دلت آيات سورة الأنفال على جواز ترك القتال إذا كان العدو يزيد على ضعف المسلمين .
قال تعالى: (الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ( ]الأنفال:66[ .