واختار حذيفة بن اليمان ليكون صاحب سره في المنافقين وغير ذلك، فكان يقال له: (صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ) . رواه البخاري.
واختار بلالًا رضي الله عنه مؤذنًا له. كما اختار ابن أم مكتوم وأبا محذورة بعد ذلك.
واختار رسول الله صلى الله عليه وسلم الحبشة مهاجَرًا أولَ لأصحابه, لأن فيها ملكًا لا يُظلم عنده أحد.
واختار الأيسر من الأمور في كل شأنه ما لم يكن إثما، كما قالت أم المؤمنين رضي الله عنها (مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا, فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ) رواه البخاري, ومسلم.
الاختيار قدر، الاختيار موجود في هذه الدار، الاختيار له في الشريعة نظر وأحكام وآداب وسياسة، فالمسلم يختار من كل شيء أحسنه وأجوده.
قال ابن القيم رحمه الله: فإنَّ الطيبَ لا يناسبه إلا الطيب، ولا يرضى إلا به، ولا يسكن إلا إليه، ولا يطمئن قلبه إلا به .... وكذلك لا يألفُ من الأعمال إلا أطيبَها ... ومن الأخلاق أطيبَها وأزكاها .. وكذلك لا يختار من المطاعم إلا أطيبها - وأحلها -، وهو الحلالُ الهنيء المريء الذي يُغذي البدن والروح أحسن تغذية.
وكذلك لا يختار من المناكح إلا أطيبها وأزكاها.
ومن الرائحة إلا أطيبها وأزكاها.
ومن الأصحاب والعشراء إلا الطيبين.
فروحه طيب، وبدنه طيب، وخُلُقه طيب، وعملُه طيب، وكلامه طيب، ومطعمه طيب، ومشربه طيب، وملبسه طيب، ومنكحه طيب، ومدخله طيب، ومخرجه طيب، ومنقلبه طيب، ومثواه كله طيب، فهذا ممن قال الله تعالى فيه: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ} (النحل:32) .
ومن الذين تقول لهم: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} (الزمر: من الآية73) . زاد المعاد (1/ 65)