فليست قضية العمل من الإنسان هي كل شيء إذا ما كان معه توفيق من الله ولذلك كانت الاستخارة وهي طلب خير الأمرين، لمن احتاج إلى أحدهما، وهذه تكون إذا أراد العبد الأمر وهمّ به والمؤمن إذا اشتبه عليه شيء أيهما الأصلح في زواج، في سفر، في تخصص؛ بعثة، صلاة الاستخارة استمداد التوفيق من الله، براءة من الحول البشري والقوة الذاتية، وركون إلى حول الله وقوته، الاستخارة طلب البصيرة من الله أن يقذفها في قلبك لتحسن الاختيار، وتختار وتمضي على الشيء الطيب، هذه سنة وخصوصًا إذا لم يتبين لك الأمر، وقد اتفقت مذاهب العلماء على أن الاستخارة تكون في الأمور التي لا يدري العبد وجه الصواب فيها، أما ما هو معروف الخير فيه والشر فليس مجالًا للاستخارة، فلا يستخير الإنسان أن يصلي، ولا يستخير أن يصوم رمضان، ولا يستخير أن يبر والديه، ولا يستخير أن يطلب العلم، لكن ممكن يستخير في الحملة التي يحج فيها، والرفقة الذين يصحبهم، والشيخ الذي يقرأ عليه، الاستخارة إذا تعارض أمران أيهما يبدأ به، أو يقتصر عليه.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَلْحَدُ وَآخَرُ يَضْرَحُ، فَقَالُوا نَسْتَخِيرُ رَبَّنَا وَنَبْعَثُ إِلَيْهِمَا، فَأَيُّهُمَا سُبِقَ تَرَكْنَاهُ، فَأُرْسِلَ إِلَيْهِمَا فَسَبَقَ صَاحِبُ اللَّحْدِ، فَلَحَدُوا لِلنَّبِيِّ"-صلى الله عليه وسلم-. رواه ابن ماجه وأحمد وإسناده صحيح."
اللَّحْد خَيْر مِنْ الشَّق وهو الَّذِي اِخْتَارَهُ اللَّه لِنَبِيِّهِ.
"من أُعطي أربعًا لم يُمنع أربعًا: من أُعطي الشكر لم يُمنع المزيد، ومن أُعطي التوبة لم يُمنع القَبول، ومن أُعطي الاستخارة لم يُمنع الخِيرَة، ومن أُعطي المشورة لم يُمنع الصواب". المجالسة وجواهر العلم (1/ 129) .
إذًا تدبير الله خير لك من تدبيرك لنفسك، والله أرحم بك من نفسك وأنصح لك من نفسك، فاختيار الله لك أحسن من اختيارك لنفسك، ولعلك تختار شيئًا وليس خيرًا لك، ولذلك لا يندم الإنسان إذا استخار في شيءٍ فلم يوفق له، وقد يتقدم خاطب لفتاةٍ فتستخير في شأنه فيُصرف عنها وهذا الخير لها، فإذا كانت مؤمنة لا ينكسر قلبها ولا تحزن، فهي توقن وتعلم بأن ما عند الله