صار هناك تناقض وتعارض، الشرع يريد العبادة، ويريد من المسلم أن يقوم لله بأنواع الطاعات، وفيها مشقات، وفيها شيء من الترفيه المباح المعين على الأصل وهو العبادة، فالترفيه في الشرع ليس مقصودًا لذاته، وإنما المقصود به إجمام النفس لتتنشط للعبادة، وشيء من التغيير والتلطيف حتى تستطيع النفس أن تواصل الطريق فيما خلقت من أجله، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} سورة الذاريات. (56) .
وصارت قضية يعني إجمام النفس بقصد النشاط للعبادة فيه أجر، وما يحتاجه الأهل والأولاد منك من نوع ترفيه ولعب مباح للتداخل والتآلف، وزيادة المحبة والتقارب، وما يكون بين الإخوان أيضًا من هذا ليس المقصود منه ذات اللهو واللعب، أو ذات اللعب المباح، المقصود به أن يكون وسيلة لزيادة الأخوة مثلًا، كالملح في الطعام، لكن الذي حصل أنه صارت الأكلة كلها ملح، ولابد أن نعود لنفهم ما هي طريقة الشريعة في الترفيه، ونلقي النظر على موضوع البدائل اليوم الذي صار فيه كلما نهي عن منكر وقيل للناس: هذا لعب محرم مثلًا يقولون: هات البديل، كلما علق تعليق شرعي على قضية محظورة عليها مؤاخذة شرعية قالوا: هات البديل.
فما هي قضية البديل في الشرع، وما معنى قضية البدائل في الشرع؟ وما هي حدودها؟ وما هي ضوابطها؟ وما هي شروطها؟
سياسة الشريعة في البديل
وحديثنا بعنوان:"فقه البدائل الترفيهية"وهو في الحقيقة مقدمة للحديث عن أشياء أخرى كالنشيد الذي غزا اليوم أوساط الشباب والكبار والصغار والذكور والإناث، فحديثنا الآن عن"فقه البدائل الترفيهية"كالمقدمة لفهم أشياء كثيرة في الواقع، ونحن نعلم أن الله سبحانه وتعالى أوجب على العباد أشياء وحرم عليهم أشياء، ومن طريقة الشريعة، وحكمة الشريعة أنها لما أوجبت على الناس أشياء أعطتهم فسحة في مباحات ليستعينوا بها على هذه الواجبات، ولما حرمت عليهم أشياء عوضتهم بأمور أخرى ليست بالضرورة مساوية للمحرمات من جهة اللذة، لما حرم الله علينا أشياء أباح لنا مقابلها أشياء، لكن ليس بالضرورة أن الذي أباحه لنا مساوي من جميع الجهات للمحرمات، بل سيبقى في الحرام نوع شدَّة، ومقاومة الحرام والامتناع عنه سيبقى فيه نوع تكليف، ومشقة، ومجاهدة، فليست كل البدائل المباحة تفوق المحرمات في اللذة، وهذا ما نريد أن نتعرف عليه في قضية بدائل المحرمات، والترفيه المباح الذي يعين على القيام بالواجبات.
أما البديل ككلمة فإنه ما يخلف الشيء ويقوم مقامه، ومن لطف الله ورحمته بخلقه أنه ما حرم عليهم شيئًا إلا أعطاهم البديل الواسع والعوض الطيب الذي يعوض النفس عن الحرام لتستعين به على ترك المحرمات.
قال ابن القيم رحمه الله: (فما حرم الله على عباده شيئًا إلا عوضهم خيرًا منه -ولاحظ كلمة"خيرًا منه"ليس بشرط معناها أنه يفوقه في اللذة، لكن خيرًا منه في نتائجه، وآثاره -كما حرم عليهم الاستقسام بالأزلام وعوضهم منه دعاء الاستخارة، وحرم عليهم الربا وعوضهم منه التجارة الرابحة - وأنا أسأل سؤالًا صريحًا: هل الربا في سهولته مثل التجارة؟ لا، التجارة فيها تعب، وكدَّ ونصب ومشقَّة، وسفر واستيراد وتسويق، ومتابعة، ومحاسبة، وحتى لا