فأديت بطريقةٍ ما لكن ليست مثل الأغاني، بالتأكيد الأشعار التي أديت بطريقة معينة ليست مثل الآلات الوترية، ولا يمكن أنها تعوِّض تعويض الآلات الوترية، والأدوات الموسيقية، فصار بعضهم يقول: نريد النشيد يعوضنا عن الأغاني، طيب الموسيقى حرام، إيش الحل؟ قالوا: نأتي بمؤثرات صوتية تقوم مقام الموسيقى، وتعوِّض الموسيقى، طيب الأوتار المزمار الطبل محرمة ماذا نفعل؟ هات واحد يقلد صوت المزمار كحنجرة بشرية، وواحد يقلد صوت الطبل حنجرة بشرية، و هات واحد يقلد صوت القيتار حنجرة بشرية، ومؤثرات طالعة من الكمبيوتر، ترددات، وآهات، ودخلها في الآلات والبرامج صوتية تطلع لك صوت مُطرب شجيَّ، لذيذ، نشوة، فيها تعويض، هنا القضية، هل هذا بديل شرعي؟ فنحن لما جئنا وقلنا نريد شيء مثل الأغاني، أليست الأغاني تُكيِّف وتُطْرِبْ، طيب، نريد نشيد يكيف ويطرب، هل هذه الطريقة في البديل حلال، صحيحة، موافقة للشرع؟ فلا بد أن نفهم سياسة الشريعة في البديل.
قال: (وحرم عليهم الخبائث من المطعومات وأعاضهم عنها بالمطاعم الطيبات، ومن تلمح هذا وتأمله هان عليه ترك الهوى المردي، واعتاض عنه بالنافع المجدي، وعرف حكمة الله ورحمته وتمام نعمته على عباده فيما أمرهم به ونهاهم عنه، وفيما أباحه لهم، وأنه لم يأمرهم بما أمرهم به حاجة منه إليهم - الله لن يستفيد شيئًا من عبادتنا، {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا} سورة الحج(37) - قال: ولا نهاهم عنه بُخْلًا منه تعالى عليهم) روضة المحبين (1/ 11 - 12) .
الله عز وجل لما منعنا من أشياء هل سيستفيد من منعنا؟ لا؛ لأن عنده خزائن السماوات والأرض، {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} سورة النحل (96) ،وأيضًا الله عز وجل رحيم، والرحيم لا يعنت عباده، أي أنه يريد أن يشق عليهم لأجل المشقة، ويريد أن يتعبهم لأجل التعب، لا.
هو يريد أن يتعبهم في أشياء ليرتاحوا بعد ذلك، يريد أن يكلفهم بأشياء فيها نوع مشقة ليؤجروا، ويصير نعيمهم في الجنة عظيمًا بعد ذلك، القيام لصلاة الفجر، قيام الليل، الجهاد، النهي عن المنكر، الصدع بالحق، هذه الأشياء الشاقة على النفس لماذا؟ ليستفيد منها، القائم المصلي المجاهد الصادع المتحمل الصابر، ليستفيد منها هو، ليس الله عز وجل ينتفع بعملنا، ولا يستفيد بمنعنا شيئًا.
قال: (وأنه لم يأمرهم بما أمرهم به حاجة منه إليهم، ولا نهاهم عنه بخلًا منه عليهم، بل أمرهم بما أمرهم إحسانًا منه ورحمة ونهاهم عما نهاهم عنه صيانة لهم وحمية) روضة المحبين (1/ 12) . حتى دنيويًا نحن مستفيدون من نهيه، لو أكلنا الخنزير سنتضرر دنيويًا، ولو زنينا سنتضرر دنيويًا، ولو سمعنا الغناء سنتضرر دنيويًا، ولو شربنا الخمر والمخدرات سنتضرر دنيويًا.
فالمحرمات والممنوعات في الشريعة إذًا لها حكمة، وعوضنا الله عن أشياء منها، وبينَّا أن البديل لا يشترط أن يكون مساويًا أو أشدَّ في بعض الجوانب كاللذة مثلًا من المحرم، وأيضًا فإنه قد يكون أحيانًا البديل ليس شيئًا معينًا وإنما أشياء كثيرة لا حصر لها ولا عدَّ، فعندما حرمت الشريعة الخمر أباحت من المشروبات ما لا عدَّ له ولا حصر، وعندما حرمت لبس الحرير على الرجال ولبس الذهب أباحت لهم من الملابس ما لا حصر له ولا عدَّ، وأباحت لبس خاتم الفضة للرجال مقابل خاتم الذهب المحرم؛ لأن الشرع يعلم حاجة الناس للتزين.