لكن مرة ثانية أجيبوني هل الفضة مثل الذهب في اللمعان والبريق والجمال؟ لا، فلما تحرم علينا خاتم الذهب للرجال، وتسمح لنا بخاتم الفضة، لا يشترط أن يكون البديل مثل الممنوع في كل المزايا، وإلا لم يكن للتكليف أي معنى، فأين مشقة التكليف، وأين الابتلاء، وعندما حرمت الشريعة الربا أباحت البيوع بأنواعها مما لا حصر له ولا عد من وجوه المكاسب المختلفة.
أحيانًا نجد أن البديل عن الشيء المحرم هو الامتناع عنه و تركه، وتشتغل بعبادة الله، وعبادة الله صنوف وأنواع كثيرة جدًا، عبادات للعين، وللأذن، وللسان، وللجوارح، وللقلب، والمحرمات والممنوعات التي حظرتها الشريعة استثنت من عموم التحريم فيها ما تدعو إليه الحاجة العامة وما لا غنى لعموم الناس عنه، فنجد أحيانًا إباحة أشياء، واستثناء أشياء من المحرمات لشدة الحاجة إليه أو بسبب الضرورة مثلًا.
قال ابن القيم رحمه الله: (فإن فطام النفوس على مألوفاتها بالكلية من أشق الأمور عليها، فأعطيت بعض الشيء ليسهل عليها ترك الباقي، فإن النفس إذا أخذت بعض مرادها قنعت به، فإذا سئلت ترك الباقي كانت إجابتها إليه أقرب من إجابتها لو حرمت بالكلية -هذه سياسة للشريعة مع النفس- ومن تأمل أسرار الشريعة، وتدبر حِكَمَها رأى ذلك ظاهرًا على صفحات أوامرها ونواهيها باديًا لمن نظره نافذ، فإذا حرَّم عليهم شيئًا عوضهم عنه بما هو خير لهم وأنفع، وأباح لهم منه ما تدعو حاجتهم إليه ليسهل عليهم تركه، كما حرم عليهم بيع الرطب بالتمر وأباح لهم منه العرايا، وحرم عليهم النظر إلى الأجنبية وأباح لهم منه نظر الخاطب -للمخطوبة، ونظر الشاهد، ونظر الطبيب، ونظر البائع في أحوال معينة- وَالْمُعَامِلِ وَالطَّبِيبِ، وحرم عليهم أكل المال بالمغالبات الباطلة كالنرد، وأباح لهم أكله بالمغالبات النافعة كالمسابقة والنضال -يعني(( لا سبق- أي هذه الجائزة في المسابقات- إلا في نصل أو خف أو حافر ) )رواه الترمذي (1700) والنسائي (3586) وصححه الألباني، أباح في جوانب معينة لمصلحة الجهاد في سبيل الله.
"وحرم عليهم لباس الحرير وأباح لهم منه اليسير الذي تدعو إليه الحاجة -مثل الحِكَّة، وعند المرض، وإذا كان في طرف الثوب أقل من أربعة أصابع- وحرم عليهم كسب المال بربا النسيئة وأباح لهم كسبه بالسلم - الأصل أنه ما يجوز أن تبيع شيئًا لا تملكه أبدًا، ومادام الشيء غير موجود فلا يجوز لك أن تبيعه، لكن نظرًا لوجود حاجة أباح بيع السلم بشروط؟ وما هو بيع السلم؟ هو أن تبيع سلعة لا تملكها، لكن بثمن مقبوض كاملًا في مجلس العقد، موعد تسليم اتفق عليه، مواصفات متفق عليها، وليس في الذهب والفضة، إذا بعت شيئًا سلمًا لا يجوز للمشتري أن يبيعه سلمًا قبل قبضه، إذًا هذا شيء خرج عن الأصل، فالأصل أن بيع ما لا يوجد حرام، لكن هذا استثناء في بيع السلم للحاجة."
قال: (وحرم عليهم في الصيام وطء نسائهم، وعوضهم عن ذلك بأن أباحه لهم ليلًا فسهل عليهم تركه بالنهار، وحرم عليهم الزنا وعوضهم بأخذ ثانية وثالثة ورابعة، ومن الإماء ما شاءوا، فسهل عليهم تركه غاية التسهيل، وحرم عليهم نكاح أقاربهم- المحارم-، وأباح لهم منه بنات العم والعمة والخال والخالة، وحرم عليهم وطء الحائض وسمح لهم في مباشرتها -الضم والتقبيل والاستمتاعات الأخرى غير الوطء-، فسهل عليهم تركه غاية السهولة، وحرم عليهم الكذب، وأباح لهم المعاريض التي لا يحتاج إلى من عرفها إلى الكذب معها البتة، وحرم عليهم الخُيلاء بالقول