الصفحة 110 من 285

الصلاة هي محل الخشوع والخضوع والانطراح بين يدي الله تعالى والتلذذ بمناجاته، ومحل التفكر والتدبر في آيات الكتاب وما فيها من الأذكار، فأين ذلك عن مداعبة الذكر بشهوة؟ ومن صحابي أيضا؟ والله لو قيل لك إن أفسق الناس جعل صلاته محلا لمداعبة ذكره, لنفرت من ذلك أشد النفور، ولما تصورته أصلا، فكيف يقال ذلك في حق الصحابي؟ سبحانك هذا بهتان عظيم، بل والله العظيم إننا نجزم أن المس هنا في حديث طلق ابن علي، لا يراد به مس الشهوة، مطلقا، ونباهل على ذلك، بل يراد به ذلك المس العارض، من حكة أو مرور باليد عليه بلا قصد، ونحو ذلك، لكن لا يمكن أن يرد في أذهاننا أنه المس بشهوة، ويؤيد ذلك الوجه الثاني:0 وهو أنه قال (( إنما هو بضعة منك ) )أي أن الذكر شأنه كشأن بقية أعضائك، فكما أن مس سائر أعضاء جسمك لا ينقض الوضوء، فكذلك مس الذكر، وهذا الكلام فيما إن كان الذكر غير منتصب لأنه والحالة هذه لا يكون بينه وبين بقية الأعضاء كبير فرق، ولكن إن انتصب فلا فالأمر يختلف، لأنه بانتصابه يخرج منه المذي والمني ويتصور منه الإيلاج في الفرج، فلا يأخذ مس الذكر حكم الانتقاض إلا بالانتصاب، وهذا يكون فيما إذا مسه الإنسان بشهوة، وعلى ذلك قلنا (بشهوة) فنزلنا الأحاديث الواردة في شأن انتقاض الوضوء بمس الذكر على ما كان مسا بشهوة، وأنزلنا حديث طلق بن علي على المس بلا شهوة، وليس ذلك تحكما، بل بالقرائن التي ذكرتها لك قبل قليل، وقد تقرر أن الجمع بين الأدلة واجب ما أمكن، وتقرر أن إعمال الكلام أولى من إهماله، وتقرر أنه لا يقال بالنسخ من إمكان القول بالجمع، ولأن مس الذكر ليس بناقض في ذاته، وإنما لأن مسه مظنة للحدث، وهذا لا يكون إلا مع المس بشهوة، وتقرر أن الحكمة إذا كانت خفية، فإن الحكم يناط بالوصف الظاهر المنضبط، ولأن المتقرر أن الخروج من الخلاف مستحب، وأن فعل ما اتفق عليه العلماء أولى من فعل ما انفرد به أحدهما ما أمكن، ولا جرم أن من توضأ من مس الذكر فإن أحدا لا ينكر عليه، والله أعلم فإن قلت:- والمرأة كذلك إن مست فرجها؟ فأقول، نعم، إن مست المرأة فرجها بشهوة وبلا حائل، فقد وجب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت