فهرس الكتاب
الإبل )) رواه مسلم، وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال:- سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال (( توضؤا منها ... الحديث ) )رواه أحمد وأبو داود، قال إسحاق بن راهويه:- صح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان، حديث جابر وحديث البراء، وكذلك قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهذا القول وإن كان من مفردات الإمام أحمد إلا أنه الحق في هذه المسألة، لأنه موافق للأدلة الصحيحة الصريحة، فإن قلت:- وكيف القول في حديث جابر:- كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار؟ فأقول:- هو عام، وأحاديثنا خاصة، وقد تقرر في القواعد أن الخاص مقدم على العام، أي ليس ثمة شيء من اللحوم يوجب أكله الوضوء إلا لحم الإبل خاصة، وقد تقرر أنه لا نسخ مع إمكان الجمع، وتقرر أن العمل بالدليلين أولى من إهمال أحدهما ما أمكن، ولا داعي لكثرة الكلام مع صحة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
مسألة:- وقد بحث أهل العلم في الحكمة من ذلك، وأقول:- إن الحكمة الأساسية الأصلية التي ينبغي أن تعتمد في هذا الباب هي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك سواء فهمت الحكمة الثانوية أو لا، فالمهم أنه قد صح الحديث، وأعظم الحكمة طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن لا بأس أن ننقل ما قاله أهل العلم في هذه المسألة، وذلك أن الإبل قد اختصت في الشرع بحكمين، بتحريم الصلاة في مباركها، وبوجوب الوضوء من لحومها، وذلك لأنها من الشياطين، وقد خلقت من الجن، كما شهد بذلك النص، فعن عبدالله بن المغفل رضي الله عنه قال:- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل، فإنها خلقت من الشياطين ) )إسناده صحيح، أي أن في تركيبة خلقها من طبيعة الشياطين، والشيطان خلق من النار، والماء يضاد هذه الطبيعة النارية في لحم الإبل، فشرع الوضوء بعد أكل لحمها، لتطفئ تلك الطبيعة الشيطانية النارية، فتذهب مفسدتها، وتبقى منفعتها، والله له من الحكم العظيمة والمصالح في التشريع مما لا يحيط به على وجه التفصيل إلا الله تعالى