فهرس الكتاب
النبي صلى الله عليه وسلم (( توضؤا مما مست النار ) )رواهن أحمد ومسلم والنسائي، فإن قلت:- إن هذا أمر، والأمر يفيد الوجوب، فأقول:- نعم، ولكن ورد صارف له عن بابه إلى الاستحباب، وهو حديث ميمونة رضي الله عنها قالت:- أكل النبي صلى الله عليه وسلم من كتف شاة، ثم صلى، ولم يتوضأ. متفق عليه وعن عمرو بن أمية الضمري، رضي الله عنه قال:- رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يحتز من كتف شاة، فأكل منها، فدعي إلى الصلاة، فقام، وطرح السكين, وصلى ولم يتوضأ. متفق عليه، وعن جابر رضي الله عنه قال:- أكلت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، خبزا ولحما، ثم صلوا ولم يتوضئوا. وعنه رضي الله عنه قال:- كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار. وقد تقرر أن الأمر يفيد الوجوب، وبالقرينة يفيد ما تفيده القرينة، والقرينة هنا تفيد أن الأمر بالوضوء مما مست النار للندب، وأما القول بالنسخ فلا يكون لأن النسخ لا يقال به إلا مع تعذر الجمع بين الدليلين، وهو ممكن هنا بلا تكلف، وقد تقرر أن الوجوب إذا نسخ ثبت الاستحباب، وهو اختيار ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى، والله أعلم.
مسألة:- واختلف أهل العلم في الوضوء من تغسيل الميت، ولا أعلم في الحقيقة دليلا يصح في أنه من النواقض، فمن كان عنده فضل علم فليتحفنا به، والأقرب عندنا الآن أنه ليس من النواقض لما ذكرنا لك من القواعد في ثنايا المسائل، والله أعلم.
مسألة:- واعلم أن المتقرر في القواعد أن اليقين لا يزول بالشك، وأنه لا ينقض الأمر المتيقن ثبوتها أو نفيا بشك عارض، وأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وأن الأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل، وعليه:- فالحق أن من شك في الحدث وتيقن الطهارة، فإنه باق على يقين طهارته، ومن تيقن الحدث، وشك في الطهارة فهو على يقين حدثه، ومن تيقنهما وجهل السابق منهما فهو بضد حاله قبلهما، وأضرب لك مثالا يوضح لك المراد:- لو أنه تيقن أنه في وقت العصر جمع بين الحدث والطهارة، أي