فهرس الكتاب
موجبات الطهارة مبناها على التوقيف على الدليل، وأن الإيجاب من أحكام الشرع والمتقرر أن الأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة الصريحة، فإن قلت:- وما قولك في حديث (( الطواف بالبيت صلاة ) )فأقول:- مع أنه حديث فيه مقال عريض، والأصح أنه موقوف على ابن عباس، إلا أن المرجح عندنا أن المراد به تشبيه الطواف بالصلاة في القدر والمنزلة لا في الحكم الشرعي، لأن الاستثناء معيار العموم والنص إنما استثنى من أحكام الصلاة الكلام في الطواف فقط، فيبقى ما عداه على المنع لكن ما حكم الأكل في الطواف؟ وما حكم الضحك في الطواف؟ وما حكم الالتفات في الطواف؟ كل ذلك من الجائز عندنا، لكنه على مقتضى الحديث من الممنوع، لأنه لم يستثن إلا الكلام فقط، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم أبدا لا يتناقض، ولذلك قلنا:- إن المراد إنما هو تشبيه الطواف بالصلاة في علو القدر والمنزلة فقط، ولكن نبه على أن الكلام فيه لا ينزله عن قدره ومكانته لأن الله تعالى هو الذي أباح الكلام فيه، وهذا هو ما توصلنا إليه، والله أعلم، فإن قلت:- فقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثم طاف، فأقول:- نعم، وماذا يعني لك ذلك، هل تعني أنه من المناسك المأمور بها في قوله (( خذوا عني مناسككم ) )؟ لا هذا ليس من ذلك، فإن المعهود من حاله صلى الله عليه وسلم محبة الطهارة لفعل العبادة والذكر، ألا ترى أنه لما بال في الطريق بين عرفة ومزدلفة وتوضأ هناك، لم يقل أحد بمشروعية الوضوء هناك، مما يدل على أنه كان يحب أن يكون على أكمل حالاته, وأما قوله (( خذوا عني مناسككم ) )فإنه فيما يسمى منسك، وأما الوضوء فإنه لا يسمى بمنسك، ولأن هذا حكاية فعل فقط، وقد تقرر أن حكاية الأفعال لا ترتقي إلى الوجوب، وإنما تفيد الاستحباب فقط، ونحن نقول بأن الطهارة الصغرى للطواف من باب المستحبات فقط، فإن قلت:- وكيف القول في حديث (( غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري ) )وحديث (( أحابستنا هي ) )فأقول:- إن هذا في الحدث الأكبر، أو في حدث الحيض خاصة، ونحن الآن نبحث في الحدث الأصغر، فهذا شيء وهذا شيء، فلا تتداخل الأمور عندك، نعم , الطهارة