الصفحة 143 من 285

بد من الإتيان بالدليل على أن الذمة معمورة بالمطالبة به وجوبا أو ندبا، لأن المتقرر أن الأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل، والمتقرر أن الدليل يطلب من الناقل عن الأصل لا من الثابت عليه، السادس:- أن المذاهب إنما تقاس بالدليل، لا العكس، فلا يقال:- إن أكثر العلماء على القول بأنها مندوبة أو واجبة في الغسل، لأننا سنقول:- إن الرجال إنما يعرفون بالحق، وليس الحق معروفا بالرجال، والمتقرر أن الحق لا يعرف بموافقة المذاهب، وإنما تعرف المذاهب بموافقتها للحق، والمتقرر أن الحق لا يعرف بالكثرة ولا بالقلة، وإنما يعرف الحق بموافقة الدليل الصحيح، فما وافق الدليل الصحيح الصريح فإنه الحق وإن لم يقل به إلا الواحد أو الاثنان، بل الكثرة في الأعم الأغلب مذمومة في دليل الشرع، فمن جعل ميزان معرفة الحق كثرة القائلين به فقد أبعد النجعة في معرفة الراجح من المرجوح، ولا يقال:- إن التسمية تشرع في ابتداء كل تعبد، لأننا سنقول:- ومن قال لك ذلك، هذا ليس بصواب، بل التسمية لا تشرع في التعبدات إلا ما ورد الدليل الصحيح الصريح بأنها مشروعة فيه، لأنها عبادة، والأصل في العبادات التوقيف على الدليل، وعلى كل حال فالراجح عندي والله أعلم أن التسمية لا تشرع في الغسل، ولكن كما قلت لك:- أن المغتسل إن توضأ أولا وسمى، فهذا هو السنة، لأن التسمية من جملة مشروعات الوضوء، وإنما الذي أريد بيانه هنا هو أن التسمية ليست من مشروعات الغسل، والله أعلم.

مسألة:- واختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى في الغسل المجزئ الذي ذكرته لك سابقا هل لا بد فيه من المضمضة والاستنشاق، أم يكفي فيه النية وتعميم البدن بالماء فقط؟ على أقوال، والأقرب منها هو أن المضمضة والاستنشاق ليست من واجبات الغسل المجزئ، فلو اقتصر على النية وعمم بدنه بالماء لكفاه ذلك، فالمضمضة والاستنشاق من سنن الغسل لا من واجباته، وبرهان ذلك حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت:- قلت يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال (( لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين الماء عليك فتطهرين ) )رواه مسلم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت