الصفحة 144 من 285

ووجه الدلالة أنه لم يأمرها بالمضمضة والاستنشاق، فلو كانت من جملة ما يجب في الغسل المجزئ لبينها لها، فلما لم يبينها دل على أنها ليست من الواجبات لأن المتقرر أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فإن قلت:- فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم هنا (( أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ) )وأنتم تقولون إن هذا التثليث في الحثو من السنن لا من الواجبات، فكيف تأخذون بآخر الحديث وتدعون أوله؟ فأقول:- نعم، وذلك لحديث آخر يبين لك الأمر بجلاء، وهو حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم، فقال (( يا فلان، ما منعك أن تصلي معنا ) )فقال:- يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء، فقال (( عليك بالصعيد فإنه يكفيك ) )ثم أتي النبي صلى الله عليه وسلم بماء فدعاه وقال (( خذ هذا فأفرغه عليك ) )ولم يأمره بحثيه على رأسه ثلاث حثيات، ولم يأمره بالمضمضة والاستنشاق، فدل ذلك على أنهما من سنن الغسل لا من واجباته، لأن المتقرر أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فإن قلت:- فإنه صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ قبل الغسل، وكان يتمضمض ويستنشق في وضوئه وفعله هذا بيان لقوله تعالى ? وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ? وقد تقرر عندكم في القواعد أن الفعل إن قرن بأمر واجب فإنه يفيد الوجوب، فأقول:- نعم، هذا صحيح لا غبار عليه، ولكن هذا فيما لم يرد له صارف من خارج، كما هي الحال هنا، فإن حديث أم سلمة، وحديث عمران بن حصين تعتبر من صوارف الأمر من الوجوب إلى الندب ولا يجوز إهمال دلالة شيء من الأدلة الصحيحة، لأن المتقرر أن إعمال الكلام أولى من إهماله، والمتقرر أن الجمع بين الأدلة واجب ما أمكن، وبعد ذلك أقول:- الخلاصة أن المضمضة والاستنشاق من سنن الوضوء لا من واجباته، والله أعلم.

مسألة:- واختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى في تعميم البدن بالماء في الغسل الكامل هل يكتفى فيه بمرة واحدة أم السنة تكرار الإفاضة ثلاث مرات؟ على أقوال، والحق منها أنه يكتفى فيه بمرة واحدة، وذلك لأنه الثابت من فعله صلى الله عليه وسلم كما في حديث

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت