الصفحة 31 من 285

ولا يقاس عليه غيره فيه، فإن قلت:- كيف تدعي أنه من خصوصياته وقد تقرر أن الأصل في الخصائص التوقيف، لأن الأصل عدمها؟ فأقول:- قلت ذلك لأن الواجب على النبي صلى الله عليه وسلم يجب عليه في الفعل التشريعي أن يظهره أمام من تقوم به الكفاية في البلاغ، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أظهر النهي بالقول الذي لا يحتمل إلا النهي، وأما فعله هذا فقد استخفى به على سطح بيت حفصة، واستخفاؤه هذا دليل على عدم إرادة التشريع به، لأنه لو أراد به التشريع لأظهره، وهل يتصور أن يبلغنا ذلك بكشف عورته؟ هذا لا يكون أبدا، ولأنه لم يكن يعلم بصعود ابن عمر رضي الله عنهما، وإلا لوجب عليه ستر عورته عنه، لاسيما وأنها العورة المغلظة فاستخفاءه بالفعل على سطح البيت، دلنا على أنه لا يريد به التشريع، فقلنا إنه يراد به الخصوصية، وحيث ثبت أن ذلك مما هو خاص به فتعرف الجواب عن حديث جابر قال:- نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها. حديث جيد، قلت:- وهذا جار على أنه من خصائصه صلى الله عليه وسلم، ولأنه قد تقرر في الأصول أن الدليل إذا تطرق له الاحتمال القوي سقط به الاستدلال، ولأنه قد تقرر في القواعد أن المتشابه يرد إلى المحكم والنهي القولي قد ثبت بما لا يدع للشك مجالا في ثبوته ومعناه محكم لا لبس فيه ولا احتمال يعتريه، وأما فعله على بيت حفصه فهو فعل محتمل، وترد على الاستدلال به أوجه لا يمكن دفعها إلا بتكلف، فدلالته فيها شيء من التشابه، وحيث كان الأمر كذلك فالمخرج هو رد هذا المتشابه إلى المحكم الصريح في دلالاته والثابت في سنده وهو النهي القولي، أن المحكم مقدم على المتشابه، والمتشابه مردود إلى المحكم، والله أعلم.

مسألة:- فإن قلت:- فقد ثبت في سنن أبي داود من حديث مروان الأصفر أنه قال أناخ ابن عمر راحلته مستقبل القبلة يبول إليها، فقلت:- أبا عبدالرحمن أوليس قد نهي عن ذلك؟ فقال:- بلى، إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإن كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس، فأقول:- نعم، لكن قوله (إنما نهي عن ذلك في الفضاء ... الخ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت