فهرس الكتاب
هذه قضية تحتاج إلى اجتهاد جماعي من علماء المسلمين القادرين على الاجتهاد، ولكن إلى أن يتاح لنا الاجتهاد الجماعي المنشود (انظر: مقالة الأستاذ الجليل مصطفى الزرقا عن"الاجتهاد الجماعي") لا مانع أن أبدي رأيي في هذا الأمر، على ضوء دراستي ومعاناتي للموضوع، فترة غير قصيرة. وأعتقد أن الاجتهادات الفردية هي التي تمهد السبيل إلى اجتهاد جماعي سليم.
فإذا كان هذا الرأي صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان.
والذي يتراءى لي بعد البحث: أنه لا مانع من أخذ الزكاة بوصفها ضريبة من غير المسلمين من أهل الذمة إذا رأى ذلك أولو الأمر ويدل على هذا أمور:
1-إن مراد علمائنا بقولهم:"لا تجب الزكاة على غير مسلم"هو الوجوب الديني، الذي يتعلق به المطالبة في الدنيا والثواب والعقاب في الآخرة. أما الإيجاب السياسي الذي يقرره ولي الأمر بناء على اعتبار المصلحة التي يراها أهل الشورى، فلم يرد ما يمنعه.
2-إنهم علَّلوا عدم وجوب الزكاة على غير المسلم؛ بأنه حق لم يلتزمه، فلا يلزمه (المجموع للنووي: 5/327) . ومعنى هذا أنهم لو التزموا هذا ورضوه لم يكن بذلك بأس.
3-إن أهل الذمة في ديار الإسلام كانوا يدفعون للدولة الإسلامية ضريبة مالية سماها القرآن:"الجزية"مشاركة في النفقات العامة للدولة التي تقوم بحمايتهم والدفاع عنهم. وكفالة العيش لهم، وتأمينهم ضد العجز والشيخوخة والفقر، كالمسلمين، كما رأينا ذلك جليًا في صنيع عمر مع الشيخ اليهودي الذي رآه يسأل على الأبواب. والواقع الماثل الآن في البلاد الإسلامية: أن أهل الكتاب لا يدفعون الجزية، ويأنفون من هذا الاسم، فهل يمكن أن يدفعوا بدلًا منها ضريبة على وفق مقادير الزكاة، وإن لم تسم باسمها؟
إن الذي رواه المؤرخون والمحدِّثون وفقهاء المال في الإسلام عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في موقفه من نصارى بني تغلب، يعطينا رُخصة للنظر في هذا الأمر على ضوء الواقع والمصلحة العامة.