فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 1002

وقد علق الإمام أبو عبيد على حكم أمير المؤمنين عمر في بني تغلب، إذ قبل منهم أموالهم ولم يجعلها جزية كسائر ما على أهل الذمة، بل جعلها صدقة مضاعفة، فقال:"وإنما استجازها فيما نرى وترك الجزية، لما رأى من نفارهم وأنفهم منها، فلم يأمن شقاقهم واللحاق بالروم، فيكونوا ظهيرًا لهم على أهل الإسلام، وعلم أنه لا ضرر على المسلمين من إسقاط ذلك الاسم عنهم مع استيفاء ما يجب عليهم من الجزية، فأسقطها عنهم، واستوفاها منهم باسم الصدقة حتى ضاعفها عليهم، فكان ذلك رتق ما خاف من فتقهم، مع الاستيفاء لحقوق المسلمين في رقابهم، وكان مسددًا. كما روي في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"إن الله تبارك وتعالى ضرب بالحق على لسان عمر وقلبه"وكقول عبد الله (يعني ابن مسعود) فيها:"ما رأيت عمر قط إلا وكأن مَلكًا بين عينيه يسدده"، ومثل قول علي:"ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر، وكقول عائشة فيه:"كان والله أحوذيًا (الأحوذي: المشمر في الأمور القاهر لها لا يشذ عليه منها شيء، والسريع في كل ما أخذ فيه والعالم بالأمر، كما في المعجم الوسيط) نسيج وحده، قد أعد للأمور أقرانها".

قال أبو عبيد:"فكانت فعلته هذه من تلك الأقران التي أعد، في كثير من محاسنه لا تحصى" (الأموال ص 541 وما بعدها) . فهذا الفاروق -رضي الله عنه- لم يَرَ بأسًا أن يأخذ من هؤلاء النصارى ضريبة أو جزية تسمى باسم"الصدقة"لنفورهم من عنوان"الجزية"، وقد ضاعف عليهم مقادير الصدقة الواجبة علي المسلمين وفقًا لطلبهم الذي صولحوا على أساسه. ولهذا قال الزهري: ليس في مواشي أهل الكتاب صدقة، إلا نصارى بني تغلب -أو قال: نصارى العرب- الذين عامة أموالهم المواشي (الخراج ليحيى بن آدم ص 65 - ط. السلفية) .

هذا هو فعل عمر، وقد أقرَّه من معه من الصحابة رضوان الله عليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت