فهرس الكتاب
وقد أصاب ابن رشد حين ذكر هذه المسألة تحت عنوان:"الزكاة على أهل الذمة"فقال:"وأما أهل الذمة فإن الأكثر على أن لا زكاة على جميعهم، إلا ما روت طائفة من تضعيف الزكاة على نصارى بني تغلب، أعني أن يؤخذ منهم مثلا ما يؤخذ من المسلمين في كل شيء، وممن قال بهذا القول: الشافعي وأبو حنيفة وأحمد والثوري، وليس عن مالك في ذلك قول وإنما صار هؤلاء لهذا، لأنه ثبت أنه فعل عمر بن الخطاب بهم، فكأنهم رأوا أن هذا توقيف ولكن الأصول تعارضه"أهـ (بداية المجتهد: 1/209 - ط. مصطفى البابي الحلبي) .
أقول: قد رأينا قول أبي عبيد في توجيه فعل عمر، وليس فيه معارضة للأصول، بل تحقيق مصلحة المسلمين ورفع الضرر عنهم، وليس من الضروري أن يكون ذلك عن توقيف، وقد أمرنا باتباع سُنَّة الخلفاء الراشدين.
4-ومما يؤيد رأينا أن محمد بن الحسن - صاحب أبي حنيفة - قال: إذا باع المسلم أرضه العُشرية التي لا خراج عليها لذمي، وجب على الذمي العُشر، لأنها أرض عُشرية، فلا تتبدل وظيفتها بتبدل المالك، ولا يجوز أن ينتفع بها الذمي في دار الإسلام دون مقابل (بدائع الصنائع: 2/54،55، والهداية وشروحها"فتح القدير": 2/10 وما بعدها، وقد خالف محمد في هذا الرأي الشيخين: أبا حنيفة وأبا يوسف. فأبو حنيفة قال: يجب عليه الخراج، وتصير الأرض خراجية، وأبو يوسف قال: تبقى عُشرية، كما قال محمد: ولكن عليه عُشران، كالتغلبي) .
ولا شك أن العُشر زكاة.
5-إن أهل الكتاب مأمورون في دينهم بالزكاة، مدعوون إلى البر بالفقراء، وقد نقلنا من قبل نصوص القرآن الدالة على ذلك مثل قوله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) (البينة: 5) .
كما نقلنا من كتبهم الحالية نفسها - العهد القديم والعهد الجديد - كثيرًا من النصوص التي تدعو إلى هذا البر، وتحث عليه.