فهرس الكتاب
لم أكتف ببيان الحكم الشرعي مجردًا في كل مسألة، بل عُنيت بتفسير الحكمة من وراء تشريعه، والسر فيما أوجبه الشارع أو استحبه، أو نهى عنه أو أذن فيه، وهذا اقتداء بالشارع نفسه الذي عُنِىَ بتعليل الأحكام، وبيان مقاصدها ومنافعها للبشر أفرادًا وجماعات، ولم يكتفِ بالتكليف المجرد، والإلزام الصارم، اعتمادًا على التزام المكلفين - بحكم إيمانهم - بامتثال كل ما يصدر عن الشارع، عقلوا حكمته أو لم يعقلوها. وإذا كان بيان الحكمة من التشريع أمرًا محمودًا على كل حال، فهو في عصرنا أمر لازم، لغلبة الأفكار المفسدة، والتيارات المضللة، والوافدة من الشرق والغرب، فلم يعد يكفى إصدار الحكم المجرد، وانتظار صيحات المكلفين بعده: (سمعنا وأطعنا) (البقرة: 285) .
5-التمحيص والترجيح
ولا يغنى الباحث استيعاب المصادر المختلفة، وتجميع الأقوال والنصوص المتفرقة والمقارنة بين بعضها وبعض، إذا كان هو أسيرًا لقول، أو مقلدًا لمذهب، يقف جهده على نصرته وتأييده، ورد غيره وتفنيده. ولهذا حررت نفسي من ربقة التمذهب والتقليد، فإنه أمر مستحدث لم يعرفه سلف الأمة، وقد نهى الأئمة أنفسهم عن تقليدهم، ومن قلد فقيهًا في كل مسألة - وإن ظهر ضعف دليها أو خطؤه - فكأنما اتخذه شارعًا، وفى التقليد إبطال للعقل ومنفعته، كما قال ابن الجوزي:"لأنه خلق للتدبر والتأمل، وقبيح بمن أعطى شمعة يستضئ بها أن يطفئها ويمشى في الظلمة".
وقال غيره: لا يقلد إلا عصبي أو غبي.
ومن هنا لم أكن أقرأ الأقوال والنصوص قراءة المقلد المتحيز، بل قراءة الفاحص الممحص، الباحث عن الحق، لا يبالي أين وجده ولا مع من وجده قد يجده عند المتقدمين، وقد يجده عند المتأخرين، قد يجده في مدرسة الرأي، وقد يجده في مدرسة الحديث، وقد يجده في فقه الظاهرية، قد يجده في المذاهب الأربعة، وقد يجده عند غيرهم من الأئمة، وما أكثرهم! .