فهرس الكتاب
إنني لم أقف مع المتعصبين المتزمتين الجامدين على كل قديم، والزاعمين بأن لا أئمة بعد الأربعة، ولا اجتهاد بعد القرون الأولى، ولا علم إلا في كتب المتأخرين المقلدين، ومن عارضهم في ذلك اتهموه بكل نقيصة.
ومع هذا لم أكن لأنساق وراء أدعياء الاجتهاد الذين لم يملكوا وسائله، ودعاة التجديد الذين سخر منهم الرافعي الأديب بأنهم"يريدون أن يجددوا الدين واللغة والشمس والقمر"!!.
وإنما أقف موقفًا وسطًا عدلًا: أرحب بكل جديد نافع، وأحرص على كل قديم صالح . ولم تمنعني صفرة الكتب القديمة، ورداءة طبع الكثير منها، ودقة خطها، من الغوص في أعماقها، واستخراج كنوزها، ومعاناة متونها وشروحها وحواشيها، وهكذا انتفعت بالقديم وبالجديد، دون تزمت ولا تحلل . بل موقفي من هذا وذاك موقف المنتخب المتخير الذي يبحث ما وسعه البحث، ويحلل ما أمكنه التحليل، ويوازن ما أسعفته الموازنة، ثم ينصر ما قويت حجته، واتضحت أدلته، غير متعصب لقول قائل، ولا لمذهب إمام، فقد آخذ في مسألة بمذهب أبى حنيفة، وأخرى بمذهب مالك، وثالثة بقول الشافعي أو أحمد أو سفيان أو والأوزاعى أو أبى عبيد أو أي إمام قبلهم أو بعدهم. وقد أدع هؤلاء جميعًا وآخذ بقول صح عن صحابي أو تابعي.