فهرس الكتاب
5ـ وإذا كان عموم النصوص وإطلاقها يسند مَن لم يشترط الحَوْل في المال المستفاد، فإن القياس الصحيح يؤيده كذلك ؛ قياس وجوب الزكاة في النقود ونحوها حين يستفيدها المسلم على وجوب الزكاة في الزرع والثمار عند الحصاد والجذاذ، فإذا كنا نأخذ من الزارع ولو مستأجرًا عُشر زرعه وثمره، أو نصف عُشره، فلماذا لا نأخذ من الموظف أو الطبيب مثلًا رُبع عُشر كسبه؟ وقد قرن الله بين ما كسبه المسلم وما أخرجه الله من الأرض في آية واحدة فقال: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض) ، فلماذا نفرق بين أمرين نظمهما الله في عقد واحد، وكلاهما من رزق الله وإنعام الله؟
صحيح أن نعمة الله في إنبات الزرع وإخراج الثمر أظهر، والشكر عليها أوجب، بيد أن هذا لا يسوغ إيجاب الزكاة في أحد المالين أو الدخلين وإعفاء الآخر مطلقًا، حسبنا من الفرق بينهما أن الشارع أوجب في الخارج من الأرض العُشر أو نصفه، وفي المال المكتسب من النقود -أو ما يقدر بالنقود- ربع العشر.
6ـ إن اشتراط الحَوْل في المال المستفاد معناه إعفاء كثير من كبار الموظفين وأصحاب المهن الحرة من وجوب الزكاة في دخولهم الضخمة ؛ لأنهم أحد رجلين: إما رجل يستغل كل ما يقبض من إيراده أولا بأول في أي مجال من مجالات التثمير المختلفة، وإما رجل من المترفهين المتوسعين بل المسرفين الذين ينفقون كل ما يكسبون وإن بلغ ما بلغ، ويبعثرونه ذات اليمين وذات الشمال، دون أن يحول عليه حول ومعنى هذا: جعل عبء الزكاة على المعتدلين المقتصدين وحدهم، الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا، فهؤلاء هم الذين يدخرون من كسبهم ما يمكن أن يحول عليه الحَوْل، ومن المستبعد أن يأتي الشرع الحكيم العادل بشرط يخفف عن المسرفين، ويضع العبء على كاهل المقتصدين.
7ـ إن القول باشتراط الحَوْل في المال المستفاد انتهى إلى تناقض جلى يأباه عدل الإسلام وحكمته في فرض الزكاة.