فهرس الكتاب
قال في المغنى: وإن اشترى نخلًا أو أرضًا للتجارة فزرعت الأرض وأثمرت النخل، فاتفق حولاهما (أي التجارة والزرع) -بأن يكون موعد الصلاح في الثمرة واشتداد الحب عند تمام الحول وكانت قيمة الأرض والنخل بمفردهما نصابا للتجارة- فإنه يزكى الثمرة والحب زكاة العشر، ويزكى الأصل زكاة القيمة (التجارة) وهذا قول أبى حنيفة وأبى ثور.
"وقال القاضي وأصحابه (من الحنابلة) : يزكى الجميع (يعنى الأرض والزرع) زكاة القيمة، وذكر أن أحمد أومأ إليه، لأنه مال تجارة فتجب فيه زكاة التجارة كالسائمة."
واحتج صاحب المغنى للقول الأول بأن زكاة العشر أحظ للفقراء ؛ -فإن العُشر أحظ من ربع العُشر- فيجب تقديم ما فيه الحظ، ولأن الزيادة على ربع العُشر قد وُجِد سبب وجوبها، فتجب.
قال:."وفارق السائمة المعَّدة للتجارة، فإن زكاة السوم أقل من زكاة التجارة" (المغنى: 3 / 35 - 36) .
وهذه الحجة التي ذكرها صاحب المغنى -رحمة الله- غير ناهضة، فإن تقديم ما فيه حظ الفقراء، غير معتبر إذا كان فيه جور على أرباب المال، ونهج الشرع الإسلامي أن يرعى هؤلاء وهؤلاء.
ومن العدل الذي جاء به هذا النهج: أن جعل الواجب العُشر إذا أخذ الزكاة من الغلة والإيراد -لا من الأصل- كالحبوب والثمار، وجعل الواجب ربع العُشر إذا أخذ الزكاة من الأصل ونمائه -أي من رأس المال وغلته- كما في مال التجارة، أما أن يجمع بين الأمرين فلم يعرف ذلك في أحكامه، ولا بد من تغليب إحدى الزكاتين على الأخرى، منعا للازدواج الذي نفاه الحديث الشريف:"لا ثنى في الصدقة"وأخذ به كافة الفقهاء، وحتى لا تجب الزكاة أكثر من مرة في مال واحد في حول واحد بسبب واحد.
ولا يقال: إن هنا سببين اجتمعا: التجارة والزراعة ؛ لأن أحد السببين مقصود بالأصالة والثاني تبع له فيندرج فيه، فالذي يتاجر في شراء الأراضي الزراعية وبيعها ليست الزراعة مقصودة له وإنما جاءت تبعا، وينبغي أن يغلب قصد التجارة على غيره.