فهرس الكتاب
وهذا المذهب هو الذي تعضده نصوص الشرع وقواعده. حتى ذهب بعض الحنفية -وهم يجيزون الدفع للفقير الكسوب- إلى أنه لا يطيب له الأخذ، لأن جواز النفع لا يستلزم جواز الأخذ كما إذا دفع إلى غنى يظنه فقيرًا، فالدفع جائز والأخذ حرام.
وقال جمهور الحنفية:
الأخذ ليس بحرام، ولكن عدم الأخذ أولى لمن له سداد من عيش (مجمع الأنهر ص220) .
وذهب بعض المالكية أيضًا إلى عدم جواز الدفع للقادر على التكسب (نسبه في حاشية الدسوقي 1/1494 إلى يحيى بن عمر) .
وإنما قلنا: إن هذا المذهب هو الذي تؤيده نصوص الشرع وقواعده. لأن الواجب الذي يفرضه الإسلام على كل قوى قادر على العمل أن يعمل، وأن ييسر له سبيل العمل، وبذلك يكفى نفسه بكد يمينه وعرق جبينه. وفى الحديث الصحيح (ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده) (رواه البخاري وغيره(الترغيب والترهيب للمنذري جـ2 - أول كتاب البيوع) ، ولا يجوز لمن وجد عملًا يكفيه وهو يقدر عليه أن يدعه، ليأخذ من الصدقات أو يسأل الناس.
ومن أجل ذلك رأينا رسول الإسلام -صلى الله عليه وسلم- يقول في صراحة ووضوح: (لا تحل الصدقة لغنى، ولا لذي مرة سوى) (رواه الخمسة وحسنه الترمذي) .
والمرة: القوة والشدة، والسوي: المستوي السليم الأعضاء.
وروى الطبري عن زهير العامري: أنه لقي عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله عن الصدقة: أي مال هي؟ فقال: مال العرجان، (جمع أعرج) والعوران، والعميان وكل منقطع به (يعنى الضعفاء، وذوى العاهات، والعاجزين عن الكسب) . فقال له: إن للعاملين حقًا والمجاهدين ! (أي من سهم العاملين عليها وسهم سبيل الله) قال عبد الله: إن المجاهدين قوم أحل لهم (أي أبيح لهم أن يأخذوا ما يعينهم على الجهاد) والعاملين عليها قدر عمالتهم. ثم قال: (لا تحل الصدقة لغنى، ولا لذي مرة سوى) (تفسير الطبري بتحقيق محمود شاكر: 14/231) .