فهرس الكتاب
ولقد يظن كثير من الناس -من سوء العرض لتعاليم الإسلام وسوء التطبيق لها- أن الفقراء والمساكين المستحقين للزكاة هم أولئك المتبطلون، أو المتسولون، الذين احترفوا سؤال الناس، وتظاهروا بالفقر والمسكنة، ومدوا أيديهم للغادين والرائحين، في المجامع والأسواق، وعلى أبواب المساجد وغيرها، ولعل هذه الصورة للمسكين كانت ماثلة في أذهان كثير من الناس منذ زمن قديم، حتى في زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، مما جعله عليه السلام ينبه الناس على أهل الحاجة الحقيقيين، الذين يستحقون معونة المجتمع بحق، وإن لم يفطن لهم الكثيرون، فقال عليه الصلاة والسلام في ذلك: (ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، اقرأوا إن شئتم:(لا يسألون الناس إلحافًا) (البقرة: 273) .
ومعنى: (لا يسألون الناس إلحافًا) : لا يلحون في المسألة ولا يكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه، فإن من سأل وعنده ما يغنيه عن المسألة فقد ألحف. وهذا وصف لفقراء المهاجرين الذين انقطعوا إلى الله ورسوله، وليس لهم مال ولا كسب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم (تفسير ابن كثير: 1/324) . قال تعالى في وصفهم، والتنويه بشأنهم: (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربًا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافًا) (البقرة: 273) .. فهؤلاء وأشباههم أحق الناس أن يعانوا كما أرشدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حديثه المذكور.
وفى رواية أخرى: (ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس) (الحديث بروايتيه متفق عليه) .