فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 1002

كانت"مصر في عهدها القديم جنة الله في الأرض، وكانت تنبت من الخيرات ما يكفي أضعاف أهلها عددًا، ولكن الطبقة الفقيرة فيها كانت لا تجد ما تأكله، لأن الطبقة الموسرة كانت لا تترك لهم شيئًا غير حثالة لا تسمن ولا تغنى من جوع. فلما أصابتها المجاعة - على عهد الأسرة الثانية عشرة - باع الفقراء أنفسهم للأغنياء وساموهم الخسف وأذاقوهم عذاب الهون. و في"مملكة"بابل"كان الأمر على ما كان عليه في"مصر"؛ لا حَظَّ للفقراء من ثمرات بلادهم، مع أنها كانت تسامى بلاد الفراعنة نماء وخصوبة. وكانت تجرى مجراها"فارس". أما لدى الأغارقة"اليونان"الأقدمين فكان الأمر لا يعدو ما تقدم، بل تروى عن بعض ممالكهم أمور تقشعر من هولها الجلود، فقد كانوا يسوقون الفقراء بالسياط إلى أقذر الأعمال ويذبحونهم لأقل الهفوات ذبح الأغنام.

أما في"إسبارطة"من ممالكهم فقد كان الموسرون تركوا للمعسرين الأرض التي لا تصلح للإنبات فذاقوا ألوان الفاقة غير مرحومين. وكان الأغنياء في"أثينا"يتحكمون في الفقراء إلى حد أنهم كانوا يبيعونهم بيع العبدان، إذا لم يؤدوا لهم ما كانوا يفرضونه من الإتاوات.

أما في"روما"منبع الشرائع والقوانين، ووطن الفقهاء والأصوليين، فقد كان الموسرون مستولين على العامة، ومتميزين عنهم تميزًا يجعل العامة بإزائهم كالطائفة المنبوذة لدى الهنديين وما كانوا يرضخون لهم (رضخ له: أعطاه عطاء مقارنًا.) بصبابة إلا بعد أن ينال منهم الإعياء، فيهجرون المدن، ويقاطعون الجماعة مرغمين.

قال العلامة"ميشيليه"في المملكة الرومانية في هذه الناحية:.

كان الفقراء يزدادون كل يوم فقرًا، والأغنياء يزدادون غنى، وكانوا يقولون: ليهلك الوطني، وليمت جوعًا إذا لم يستطع أن يذهب إلى ساحات القتال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت