فهرس الكتاب
(فصلت: 7) .
وإذا كان إيتاء الزكاة من الأوصاف الأساسية للمؤمنين المفلحين، وتركها من الأوصاف اللازمة للمشركين، فذلك يدل على الوجوب، إذ التحلي بصفات المؤمنين، والخروج عن خصائص المشركين، أمر واجب لا نزاع فيه. يضاف إلى ذلك الأمر في قوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) (الأنعام: 141) .
الزكاة في العهد المكي زكاة مطلقة
ولكن المعروف في تاريخ التشريع الإسلامي: أن الزكاة فرضت في المدينة. فكيف يتفق هذا وذكر القرآن لها في آيات كثيرة من سوره المكية؟.
والجواب: أن الزكاة التي ذكرت في القرآن المكي، لم تكن هي بعينها الزكاة التي شرعت بالمدينة، وحددت نصبها ومقاديرها، وأرسل السعاة لجبايتها وصرفها، وأصبحت الدولة مسئولة عن تنظيمها. الزكاة في مكة كانت زكاة مطلقة من القيود والحدود، وكانت موكولة إلى إيمان الأفراد وأريحيتهم وشعورهم بواجب الأخوة نحو إخوانهم من المؤمنين. فقد يكفي في ذلك القليل من المال، وقد تقتضي الحاجة بذل الكثير أو الأكثر. وقد استنتج بعض الباحثين من تعبيرات القرآن في السور المكية: (حقه) (الإسراء: 26) و (حق للسائل والمحروم) (الذاريات: 19) و (حق معلوم) (المعارج: 24) .. في الآيات، أنها يمكن أن تلهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد حدد مقادير معينة على أموال القادرين من المسلمين زكاة عن أموالهم المتنوعة (سيرة الرسول - صورة مقتبسة من القرآن الكريم تأليف محمد عزة دروزة 2/341) .
ولكن لم ينقل ما يؤيد هذا الاستلهام، بل نقل ما يخالفه. ولم تكن هناك حاجة إلى هذا التحديد، والقوم يبذلون أنفسهم وكل ما بأيديهم. وليس من الضروري ألا يكون الحق معلومًا إلا بتعيين النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل يصح أن يكون معلومًا بتعيين المنفق نفسه، كما ذكر المفسرون، أو بتعيين العرف حسب المصلحة والحاجة.