فهرس الكتاب
( أ ) في مطالع هذه السورة التي أمر الله فيها بقتال المشركين، الناكثين للعهود، الذين ضرب لهم مهلة أربعة أشهر، يسيحون فيها في الأرض ويختارون لأنفسهم، قال تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم، إن الله غفور رحيم) (التوبة:5) .
فهذه ثلاثة شروط للكف عن قتال هؤلاء وتخلية سبيلهم.
أولها: التوبة عن الشرك، ودليله أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
ثانيها: إقامة الصلاة المفروضة على المسلمين، وهي مظهر الأيمان وأعظم أركان الإسلام المطلوبة في كل يوم من الأيام، والفيصل بين المسلم والكافر، وهي الرابطة الدينية الروحية الاجتماعية بين المسلمين.
ثالثها: إيتاء الزكاة المفروضة في أموال الأغنياء لذوى الحاجات، ولمصلحة الأمة العامة، وهي الرابطة المالية الاجتماعية السياسية بين جماعة المسلمين.
(ب) وبعد ست آيات من السورة نفسها قال الله تعالى في شأن قوم آخرين من المشركين: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين، ونفصل الآيات لقوم يعلمون) (التوبة: 11) .
فلا يتحقق لكافر الدخول في جماعة المسلمين، وتثبت له أخوتهم الدينية، التي تجعله فردًا منهم له ما لهم، وعليه ما عليهم، وتربطه بهم رباطًا لا تنفصم عراه - إلا بالتوبة عن الشرك وتوابعه وإقامة الصلوات التي بها يلتقي المسلمون على طاعة الله، ويتعارفون ويتحابون، وإيتاء الزكاة التي بها يتواسون ويتكافلون. وقد نبه العلماء منذ عهد الصحابة - رضى الله عنهم - على أمر جدير بالذكر، وهو: أن سنة القرآن أن يقرن الزكاة بالصلاة، وقلما تنفرد إحداهما عن الأخرى.