فهرس الكتاب
أحدهما: نص الحديث الذي علق هذه العصمة على شرط فقال:"إلا بحقها"والزكاة حق المال، وهذا لا يخالف فيه عمر ولا غيره.
وثانيهما: قياس الزكاة على الصلاة، فهي أختها وقرينتها في كتاب الله وسنة رسوله. ويبدو من احتجاج أبى بكر: أن عمر والصحابة كانوا مجمعين على قتال الممتنع جهرة من الصلاة، فرد المختلف فيه إلى المتفق عليه. فلما استقر عند عمر صحة رأي أبى بكر، وتبين له صوابه: تابعه على قتال القوم، وهو معنى قوله:"فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبى بكر للقتال فعرفت أنه الحق"يشير - كما قال الخطابى - إلى الحجة التي أدلى بها، والبرهان الذي أقامه نصًا ودلالة (نفس المصدر ص120، وانظر معالم السنن: 2/165) . هذا ما صنعه الخليفة الأول أبو بكر الصديق - رضى الله عنه - بمن أصر من العرب على منع الزكاة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا ما أقره عليه الصحابة الأعلام، الذين أجمعوا معه على قتالهم، حتى من اشتبه أول الأمر في شأنهم. وبهذا صار قتال الممتنعين عن الزكاة من مواضع الإجماع في شريعة الإسلام. قال الإمام النووي: إذا منع واحد أو جمعٌ الزكاة وامتنعوا بالقتال، وجب على الإمام قتالهم، لما ثبت في الصحيحين من رواية أبى هريرة: أن الصحابة - رضى الله عنهم - اختلفوا أولًا في قتال مانعي الزكاة، ورأي أبو بكر - رضى الله عنه - قتالهم، واستدل عليهم، فلما ظهرت لهم الدلائل وافقوه، فصار قتالهم مجمعًا عليه. ولعل الدولة الإسلامية في عهد أبى بكر هي أول دولة - فيما يعرف التاريخ - تقاتل من أجل حقوق الفقراء والمساكين والفئات الضعيفة في المجتمع، التي طالما أكلتها الطبقات القوية، ولم تجد عونًا لدى الحكام الذين كانوا يقفون دومًا في صف الأغنياء والأقوياء. هذا ولم يبال أبو بكر ولا من معه من الصحابة بتلك الشبهة الواهية التي تعلق بها بعض المانعين للزكاة.