فهرس الكتاب
وبالنسبة للحديث الخاص ببداية الوحى وعودة الرسول عليه السلام إلى خديجة من الغار يرتجف وطلبه إليها أن تزمِّله، يقول كاتبنا إن الهدوء النفسى الذى تجلبه تغطية الجسد كله كان أمرا معروفا لدى كُهّان الجاهلية، وإن من المحتمل جدا أن تكون هذه التغطية هى التى حَدَتْ بمشركى مكة إلى الاستنتاج الخاطئ بأنه عليه السلام كان واحدا من هؤلاء الكهان [192] . ولقد كنتُ أودّ لو أن كاتبنا أورد ما يدل على أن كهان الجاهلية كانوا يتَغَطَّوْن على هذا النحو عندما يعتريهم انفعال شديد، أما أن يذكرهم في سياق المقارنة بالرسول الكريم دون داع البتة فأخشى أن يغرى بعض النفوس المريضة بادعاء الادعاءات السخيفة عليه مع بُعْده صلى الله عليه وسلم عنهم بُعْدَ السماء عن الأرض ونفوره منهم وتشديده في النهى عن الاختلاف إليهم أو تصديقهم حسبما ذكر أسد ذاته في موضع آخر من ترجمته لـ"صحيح البخارى" [193] . ثم من قال إن التغطية هى التى جعلت المشركين يتهمونه بالكهانة؟ إن ذلك شىء لم يذكره القرآن ولا السنة ولا كتب التاريخ، كما أنها لم تحدث إلا مرة واحدة، ولم يطلع عليها إلا خديجة رضوان الله عليها. لكنى مع أسد، رغم ذلك، في أن مبعث شعور الرسول صلى الله عليه وسلم بالخوف أوانذاك هو تواضع نفسه الشريفة التى لم يكن يخطر لها في بال أنه يمكن أن يكون نبيا رسولا [194] .