فهرس الكتاب
عليهن من جلابيبهن، ما دام المجتمع في ذلك الوقت كان يسمح بكشف الصدر والشعر وما إلى ذلك؟ أليس هذا دليلا على أن القرآن هو الذى يسيِّر المجتمع ويوجِّهه في هذه المسألة لا العكس كما يريد محمد أسد؟ وهَبْ أن العرف الاجتماعى في بلد ما (كما كان الحال في بعض مناطق إفريقيا الهمجية مثلا) لا يرى في كشف المرأة أثداءها أو سوأتها من حرج، فهل يمكن القول بأن القرآن يُقِرّ ذلك العرف ولا يرى به بأسا؟ وإذا كان القَفَّال، الذى يستشهد به أسد، قد فسر حدود"ما ظهر منها"بأنه ما تقضى به"العادة الجارية"، فقد كان مقصده هو العادة الجارية في المجتمعات الإسلامية في عصره، إذ مهما تفاوتت العوائد وقتها فلم تكن لتخرج عن نطاق الشرع: فبعضٌ يرى أنه لا بأس بكشف الوجه واليد مثلا، وبعضٌ يوجب أن تغطى المرأة وجهها ويديها أيضا تغطية تامة، وبعضٌ يخفف قليلا فيجوِّز لها ارتداء البرقع بدلا من النقاب...وهكذا.
ثم كيف يا ترى يمكن وصف المرأة التى تعرِّى نفسها بالحشمة (decency) كما فعل أسد؟ إن هذا تمييع للمفاهيم وللحدود الفاصلة بينها. إننا لسنا من المتشددين الذين يرفضون أن يظهر من المرأة حتى الوجه والكفان، لكننا لا نستطيع رغم ذلك أن نوافق على ترك الميدان دون ضابط أو كابح بحجة مسايرة"العادة الجارية". وفوق ذلك فالأستاذ أسد قد عاد في الهامش الذى بعد ذلك فقال إن الصدر في الإسلام هو جزء من أجزاء جسد المرأة التى لا يمكن إظهارها [232] . إذن فالمسألة ليست متروكة سَبَهْلَلًا بل هناك ضوابط تحكمها، وهذا أحدها. ثم كيف يقول الأستاذ أسد ما قال، والآية التى تلى ذلك تحرِّم على النساء إظهار زينتهن إلا لآبائهن أو آباء بعولتهن أو إخوانهن أو بنى إخوانهن...إلخ؟ إن هذا يبرهن بأجلى برهان أن زى المرأة ليس متروكا للعادة الجارية بإطلاق، بل له قواعد محددة.