فهرس الكتاب
ومما يعتمد عليه مترجمنا في إنكار النسخ في القرآن أيضا الآية 42 من سورة"فُصِّلَتْ"، التى تصف القرآن المجيد بأنه"لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"، فهو يظن أن"إبطال"الحُكْم في الآية المنسوخة هو نفسه"الباطل"الذى نفته الآية عن القرآن [239] ، مع أن هذا غير ذاك. ومثله نوع الطعام الذى يقدَّم للإنسان في فترة الرضاعة، إذ بعد أن يكبر الطفل وتنبت له أسنان ويقوى جهازه الهضمى فإن أمه تكف عن إرضاعه اللبن وتقدِّم له بدلا من ذلك أطعمةً متماسكةً، ولا يقال أبدا إنه قد اتضح أن اللبن كان طعاما باطلا.
ولأن مستشرقنا النمساوى يرفض القول بالنسخ نراه يلوى بعنفٍ عنق الآيتين 6-7 من سورة"الأعلى":"سنُقْرِئك فلا تَنْسَى* إلا ما شاء الله"قائلا إن هذه الجملة قد سببت حيرة شديدة للمفسرين إلى يومنا هذا، وإنهم كالعادة قد لجأوا في تفسيرها إلى القول بالنسخ، أما هو فيفسرها بأن المقصود هنا ليس قراءة القرآن ونسيانه بل العلم البشرى بكل أنواعه من تجريبى وتأملى واستنباطى مما يورِّثه كل جيل للجيل الذى يليه فلا يضيع منه شىء إلا ما يشاء الله أن ينساه البشر لكونه لم يعد صالحا جَرّاءَ تقدم العلم والتنبه إلى خطئه. وفى هذا التفسير من التمحل ما فيه، فالكلام في الآيتين موجه للرسول عليه السلام، على حين أنه، حسب تفسير أسد، موجه إلى البشرية كلها دون أن يكون في السياق ما يسوِّغ هذا التفسير.